أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨٧
و إن سلمنا امتناع الجمع بين الثواب الدائم، و العقاب الدائم، فما المانع أن تكون الطاعة محبطة للمعصية كما قاله المرجئة؛ بل و هو الأولى؛ إذ هو أقرب إلى العفو، و الصفح المستحسن عقلا، و شرعا.
فلئن قالوا: إنما أسقطنا الثواب بالعقوبة لوجهين:
الأول: أن استحقاق العقاب، أقوى من استحقاق الثواب؛ و ذلك لأن استحقاق من خالف الأعلى للعقاب، أشد من استحقاق من خالف الأدنى، على ما لا يخفى عرفا، و فى الطاعة بالعكس، فإن استحقاق مطيع الأعلى؛ لكونه أولى باستحقاق الطاعة للثواب يكون أدنى من استحقاق مطيع الأدنى للثواب.
و على هذا فاستحقاق مخالف الله- تعالى- للعقاب يكون أشد من استحقاقه للثواب بطاعته.
الثانى: هو أن الردة محبطة للطاعات وفاقا، و الردة من الكبائر فكان فى حكمها كل كبيرة.
قلنا: أما قولهم: إن استحقاق من خالف الأعلى للعقاب أشد من استحقاق من خالف الأدنى.
لا نسلم، و ما المانع أن يقال: بأن استحقاق [١١]// العقاب إنما يكون أشدّ عند ما إذا كان تضرّر المخالف بالمخالفة أكثر، و الرب- تعالى- مقدّس عن الإضرار و الانتفاع، فكان استحقاقه للعقاب أدنى من استحقاق غيره؛ فكان أولى بالعفو و الصفح؟
و قولهم: إن استحقاق مطيع الأعلى للثواب أولى من استحقاق مطيع الأدنى.
لا نسلم./ و ما المانع أن يقال: بأن مطيع الله- تعالى- أولى باستحقاق الثّواب، من المطيع لغيره، نظرا إلى ما يلحقه فى طاعة الله- تعالى- من المكابد، و المشاق فى النظر، و الاستدلال و دفع الوساوس، و الشّبهات، و مغالبة الشّهوات، و قهر النّفس الأمّارة بالسوء؛ بخلاف طاعة غيره، و قد قال عليه السلام «ثوابك على قدر نصبك» [١] و الّذي يدل على ترجيح الطاعات على الكبيرة الواحدة أمور ثلاثة:
[١١]//
أول ل ١٣٣/ ب
[١]
حديث صحيح- رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: يا رسول الله يصدر الناس
بنسكين، و أصدر بنسك. فقيل لها: «انتظرى فإذا طهرت فاخرجى إلى التنعيم فأهلى، ثم ائتينا
بمكان كذا؛ و لكنها على قدر نفقتك أو نصبك». صحيح البخارى- كتاب العمرة- باب أجر العمرة
على قدر النصب ٣/ ٦٠٥