أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٤٤
و أما بعد النبوة:
فقد اتفق أهل الملل، و أرباب الشرائع على وجوب عصمة الأنبياء- عليهم السلام- عن الكذب عمدا فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه. و ذلك فى دعوى الرسالة، و ما ينهونه من الله- تعالى- إلى الأمة بطريق التبليغ عنه، و إلا فلو جاز عليهم التقول و التخرص فى ذلك عقلا؛ لأفضى إلى إبطال دلالة المعجزة؛ و هو محال.
[الآراء فيها:]
و هل يجوز عليهم الغلط فى ذلك على سبيل الذهول، و النسيان، فقد اختلف فيه.
فذهب الأستاذ أبو إسحاق، و كثير من الأئمة إلى امتناعه: نظرا إلى أنّ المعجزة دالة على الصدق، و ملازمة الحق فى التبليغ. فلو تصور الخلف فى ذلك كان ذلك نقضا لدلالة المعجزة؛ و هو ممتنع.
و ذهب القاضى أبو بكر: إلى جواز ذلك مصيرا منه إلى أن المعجزة إنما تدل على صدق الرسول فيما هو متذكر فيه عامد له.
و أما ما كان من النسيان، و فلتات اللسان فلا تدخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة. و لا المعجزة دالة على نفيه.
و على هذا فلا تكون صورة النسيان ناقضة لدلالة المعجزة.
و أما ما يتعلق بأفعالهم، و أقوالهم: فلا دلالة للمعجزة على صدقهم فيه، فإما أن يكون كفرا، أو لا يكون كفرا.
فإن كان كفرا: فلا يعرف خلاف بين الأئمة فى وجوب عصمة الأنبياء عنه، إلا ما نقل عن الأزارقة من الخوارج [١]: فإنهم قالوا بجواز بعثة نبى علم الله- تعالى- أنه يكفر بعد نبوته، و كل من قال بجواز صدور الذنوب عن الأنبياء، و حكم بالكفر على كل ذنب، فيلزمه أيضا جواز الكفر على الأنبياء.
و أما ما ليس بكفر: فإما أن يكون من الكبائر، أو لا يكون منها، فإن كان من الكبائر: فقد اتفق المحققون و الأئمة على وجوب عصمتهم عن تعمده من غير نسيان،
[١]
عن الأزارقة من الخوارج و قولهم بجواز بعثة نبى علم الله- تعالى- أنه يكفر. انظر ما
سيأتى فى القاعدة السابعة- الفصل الرابع: فى أن مخالف الحق من أهل القبلة هل هو كافر
أم لا؟ ل ٢٥٢/ ب و ما بعدها.