أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٥
فإن كان الأول: استحال تواطؤ الخلق العظيم- مع اعتقادهم صدق الرسول- على تكذيبه؛ إذ هو خلاف العادة.
و إن كان الثانى: فلا يكون ذلك مانعا من إشاعته، و التّذاكر به.
و أما القول بأن جهة الإعجاز فيه النظم، و البلاغة: فباطل أيضا: لأنه قد بان امتناع كون كل واحد منهما معجزا، و ضم ما ليس بمعجز إلى ما ليس بمعجز؛ لا يوجب الإعجاز فيه.
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون القرآن معجزا؛ غير أنه معارض بما يدل على عدم إعجازه؛ لأنه لو لكان معجزا؛ لكان معجزا لكونه خارقا للعادة، و لو كان معجزا لكونه خارقا للعادة، لكان ما ظهر من العلوم الرياضية: كالهندسية، و الحسابية، و غيرها من العلوم التى لم تكن معتادة قبل ظهورها، معجزات. و أن تكون دالة على صدق من أتى بها عند دعواه الرسالة، و لم يقولوا به.
سلمنا أنه معجز، و أنه لم يظهر إلا على يده؛ و لكن لا نسلم دلالته على صدقه؛ لأنه من الجائز أن يكون قد حصل ذلك له قبل الرسالة، و دعوى النبوة و لم يظهره. فإنه لا مانع على أصلكم من إجراء الخوارق على يد من ليس بنبي. و على تقدير جواز تقدمه على التحدى يخرج عن أن تكون دالة على صدقه من حيث إن المعجزة إنّما تدل من جهة كونها نازلة منزلة التصديق من الله- تعالى- له بالقول، و ما يكون/ موجودا قبل التحدى لا ينزل هذه المنزلة.
و أما ما ذكرتموه من باقى المعجزات: فكلها منقولة على لسان الآحاد؛ فلا تكون الحجة قائمة بها فى القطعيات [١].
كيف و أنها لو كانت واقعة مع كونها من خوارق العادات؛ لاشتهرت، و شاعت و ذاعت على لسان أهل التواتر، على ما جرت به العادة فى نقل كل ما يخالف العادة.
فحيث لم يكن كذلك؛ دل على أنها لم تقع.
[١]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة: بأن كل واحد منها و إن كان أصل خبره آحادا غير أن جملتها
تنزلت منزلة التواتر و تكون موجبا لحصول العلم بصدور المعجزات عنه، و ظهورها على يده،
و إن كان نقل كل حالة منها على لسان الآحاد (انظر ل ١٦٤/ أ).