أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٣
قولهم: إنهم إنما سألوا ليعلموا/ لا أنهم ذكروا ذلك على طريق الاعتراض.
فهو ممتنع لوجهين:
الأول: أنه أجابهم بقوله- تعالى-: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [١]، و لو كان ذلك منهم على طريق الاستعلام؛ لما حسن الجواب بمثل هذا الجواب؛ بل كان الواجب أن يجاب بنعم، أو لا.
الثانى: قال مقاتل [٢]: المراد من قوله- تعالى-: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣]: أى فى قولكم: إنى جاعل فى الأرض من يفسد فيها؛ فدل ذلك على أن قولهم: إنما كان ذلك بطريق الإخبار، لا أنه كان بطريق الاستعلام.
و بهذين الوجهين يبطل أيضا ما ذكروه من الوجه الثانى: أنهم ذكروا ذلك على طريق الإثبات تصديقا لله- تعالى- فيما أخبرهم به، و يزيد وجه آخر و هو أنه لم ينقل من قوله- تعالى- غير قوله: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [٤]. الآية فتقدير كلام آخر غير منقول، و لا دليل يدل عليه؛ ممتنع.
و بما ذكرناه من الوجهين الأولين يندفع قولهم: إنما ذكروا ذلك على طريق التعجب عند أنفسهم.
قولهم: إنما قالوا: وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [٥]. على سبيل التذلل، و الخضوع.
قلنا: العادة جارية بأن من قال فلان فاسق، و مرتكب الذنوب و أنا أعبد الله و لا أعصيه، أنه إنما يذكر ذلك على طريق التعظيم و الترفع، و لذلك نستقبح منه ذلك فى العرف و العادة، و لو كان كما ذكروه؛ لما كان ذكره مستقبحا، و إذا كان ذلك هو الظاهر من كلامهم؛ فالعدول عن الظاهر إلى غيره من غير دليل ممتنع كما ذكروه من المعارضة فى الوجه الأول.
[١]
سورة البقرة ٢/ ٣٠.
[٢]
مقاتل بن سليمان: هو ابن بشير الأزدى الخراسانى، أبو الحسن البلخى صاحب التفسير. ولد
مقاتل ببلخ و مات فى خراسان سنة ١٥٠ ه من أعلام المفسرين (وفيات الأعيان ٢/ ١١٢ و تاريخ
بغداد ١٣/ ١٦٠).
[٣]
سورة البقرة ٢/ ٣١.
[٤]
سورة البقرة ٢/ ٣٠.
[٥]
سورة البقرة ٢/ ٣٠.