أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١١٨
أو كلمة منه بزيادة، أو نقصان فى عصرنا هذا لم يجد إليه سبيلا. و كان ذلك مردودا عليه من جماعة لا يتصور عليهم التواطؤ على الكذب؛ فكان نقلها عمن نقلت عنه إلينا متواترا.
و نعلم أيضا علما ضروريا أن حكم الناقلين إلينا فى ذلك بالنسبة إلى الناقلين إليهم كحكمنا بالنسبة إليهم. و كذلك فى كل عصر إلى أن ينتهى ذلك إلى النبي- صلى الله عليه و سلم.
كيف و أن القرآن لا يتقاصر فى العلم بنقل آحاد آياته عن آحاد أبيات ديوان بعض الشعراء المشهورين: كامرئ القيس [١] و غيره. و ما من واحد منها إلا و هو معلوم من نقله عن شاعره حتى أنا نعلم أنّه لو منع مانع من نسبة آحاد أبياته إلى ذلك الشاعر و لو فى أىّ عصر كان من عصرنا، أو فيما تقدّم عليه، لردّ عليه جمع لا يتصور عليهم التواطؤ على الكذب.
و لا يخفى أنّ محافظة المسلمين على نقل القرآن، و حفظه عن التبديل، و التغيير فى كل عصر أشدّ من محافظة النقلة عن ديوان امرئ القيس، و غيره؛ فكانت آحاد آيات القرآن أولى أن تكون متواترة.
قولهم: إنّ الحفّاظ للقرآن فى زمن النّبيّ- صلى الله عليه و سلم- لم يبلغوا عدد التواتر؛ مسلّم. و لكن ليس فى ذلك ما يدل على أن آحاد الآيات غير متواترة؛ لجواز أن يكون الحفظة لكل آية السامعون لها و إن لم يكونوا حافظين لغيرها، قد بلغوا عدد التواتر.
قولهم: إنّ عثمان [٢] عند جمع القرآن كان يتلقى آحاد الآيات من آحاد الناس و ما كان يتوقف فيها على عدد التواتر [٣].
قلنا: ما كان يتوقف فى كل آية على عدد التواتر فى أصل نقلها عن النبي- صلى الله عليه و سلم- أو فى أصل وضعها، و ترتيبها، و طولها، و قصرها و تقديمها، و تأخيرها.
[١]
امرؤ القيس: هو امرئ القيس بن حجر الكندى من أصحاب المعلقات من بنى آكل المرار، أشهر
شعراء العرب، يمانى الأصل ولد بنجد سنة ١٣٠ قبل الهجرة سنة ٤٩٧ م و كان أبوه ملك أسد
و غطفان، و قتل أبوه فانصرف عن لهوه، و ثأر من قتله أبيه، و هو من أصحاب المعلقات المشهورين
و له ديوان شعر كما كتبت عنه كتب كثيرة، مات فى أنقره سنة ٥٤٥ م سنة ٨٠ ق الهجرة (الأغانى
٩/ ٧٧ و الأعلام للزركلى ٢/ ١٢).
[٢]
عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: راجع ما سبق فى هامش ل ١٥٣/ أ.
[٣]
التواتر: هو الخبر الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب (التعريفات للجرجانى
ص ٧٦).