أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨٨
الأول: أنهم حكموا بأن الصغائر محبطة بالطاعات إذا تجردت عن فعل الكبيرة، و ذلك يدل على ترجيح جانب الطاعة على المعصية.
الثانى: أن أكثر المعتزلة جوزوا غفران الكبيرة عقلا، إذا مات مقارفها من غير توبة، و لم يجوز أحد منهم إحباط الطاعات إذا تجردت عن الزلات؛ فدل على ترجيح العبادة على المعصية.
الثالث: أن السمع قد دل على الترجيح بقوله- تعالى:- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [١].
قولهم: إن الردة محبطة للطاعات؛ فكذلك غيرها من الكبائر. فهو مبنى على كون الردة محبطة للطاعات عقلا، و هو غير مسلم، على ما عرف من أصلنا فى امتناع وجوب الثواب و العقاب على الله- تعالى.
و بتقدير التسليم لذلك، فلا يلزم من كون الردة محبطة للطاعات، أن يكون غيرها من الكبائر كذلك؛ لجواز اختصاص ذلك بالردة دون غيرها، و لهذا فإن المرتدّ لا يساهم المسلمين فى استحقاق الفيء [٢]، و الغنيمة [٣]، و حضور المساجد، و لا يدفن فى مقابر المسلمين، و لا يصلى عليه، بخلاف أرباب الكبائر.
سلمنا صحة إحباط الطاعة بالمعصية عقلا؛ لكن مع المساواة، أو مع كون الطاعة أزيد من المعصية.
الأول مسلم: و الثانى ممنوع، و بيانه من وجهين:
الأول: أن ذلك يفضى إلى المساواة بين من عبد اللّه- تعالى طول دهره، و كان عالما بالله- تعالى- و صفاته، و ما يجوز عليه، و ما لا يجوز عليه، و بين فرعون، و هامان، و من لم يطع الله تعالى طرفة عين، و ذلك خلاف مقتضى الحكمة و تحسين العقول، و تقبيحها.
[١]
سورة الأنعام ٦/ ١٦٠.
[٢]
الفيء: ما رده الله على أهل دينه من أموال من خالفهم فى الدين بلا قتال: إما بالجلاء،
أو بالمصالحة على جزية أو غيرها. [التعريفات للجرجانى ص ١٩٢].
[٣]
الغنيمة: اسم لما يؤخذ من أموال الكفرة بقوة الغزاة، و قهر الكفرة على وجه يكون فيه
إعلاء كلمة الله- تعالى- و حكمه أن يخمس، و سائره للغانمين خاصة. [المصدر السابق ص
١٨٥].