أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٦٢
فإن قيل: إن البارى- تعالى- لم يكذبه فى دعواه أنه من أهله، و من نسبه، و إنما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله- تعالى- بنجاتهم [على ما قاله ابن عباس] [١] لأنه- تعالى كان قد وعد نوحا بنجاة أهله مستثنى منهم من أراد الله تعالى- هلاكه بالغرق فى قوله- تعالى- قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ [٢] و يحتمل أن يكون المراد به على ما قاله بعض أهل التفسير إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ بمعنى «إن كفره أخرجه عن أن يكون حكمه كأحكام أهلك» و لهذا قال- تعالى- على طريق التعليل إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
و إن سلمنا أنه لم يكن ابنه و لا من أهله على الحقيقة؛ لكن قال بعض المفسرين أنه ولد على فراشه، و قول نوح: ابْنِي مِنْ أَهْلِي [٣] إنما كان بناء على الظاهر، و ما يقتضيه الحكم الشرعى. و قوله- تعالى- إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ليس تكذيبا له فيما أخبر عنه فى ظاهر الشرع؛ بل إخبارا له بالغيب الّذي لا يعلمه من خيانة امرأته له.
و الجواب:
قولهم: لم يكذبه فى إخباره أن ابنه من أهله، و إنما أخبره أنه ليس من أهله الذين وعده الله- تعالى- بنجاتهم.
قلنا:
قوله- تعالى- إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إما أن يكون المفهوم منه مقابلا و مناقضا، لما أخبر به نوح، أو لا يكون كذلك.
و
هو أول رسل الله إلى أهل الأرض، و من أولى العزم من الرسل عليهم السلام، و هم خمسة
(نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد عليهم الصلاة و السلام).
و
قد عاش نوح عليه السلام طويلا، و عمر كثيرا، و كان أطول الأنبياء عمرا، و أكثرهم جهادا؛
فدعا قومه ليلا و نهارا و سرا و جهارا مدة (٩٥٠ سنة) ألف سنة إلا خمسين عاما و هو الأب
الثانى للبشرية بعد آدم عليه السلام قال تعالى وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
سورة هود ١١/ ٤٨. فكل الخلائق ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة:
فسام
هو أبو العرب، و حام أبو الحبش، و يافث أبو الروم يؤيده ما رواه أحمد عن النبي- صلى
اللّه عليه و سلم- أنه قال: «سام أبو العرب، و حام أبو الحبش و يافث أبو الروم».
أما
بقية البشر؛ فقد هلك الكافرون بالطوفان، و أعقم الله من نجا فى السفينة مع نوح و قد
توفى نوح عليه السلام و عمره ١٣٥٠ سنة كما رواه بعض المؤرخين الذين تأثروا بما ورد
فى التوراة. و هى أطول حياة عاشها إنسان و قد دفن بقرب المسجد الحرام بمكة على الراجح
من الأقوال رحمه الله رحمة واسعة [قصص الأنبياء لابن كثير ص ٦٤- ٩٧ و النبوة و الأنبياء
للصابونى ص ١٣٣- ١٤٤].
[١]
ساقط من «أ».
[٢]
سورة هود ١١/ ٤٠.
[٣]
سورة هود ١١/ ٤٥.