أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٥٢
فلو لم يعلم المكلف استحقاقه للعقاب على تقدير فعلها؛ لكان ذلك من الله- تعالى- إغراء للمكلف بفعل القبيح؛ فيكون قبيحا، و هو على الله- تعالى- محال.
و بالجملة؛ فحاصل إيجابهم للثّواب، و العقاب على الله- تعالى- مبنى على التّحسين و التّقبيح العقلى، و وجوب رعاية الحكمة فى أفعال الله- تعالى.
و من حقّق ما أسلفناه فى التّعديل و التجوير [١]؛ لم يخف عليه بطلان مثل هذه الحجج هاهنا غير أنه لا بدّ من تتبعها، و زيادة الكشف فى إبطالها.
[الرد على المعتزلة]
فنقول: أما إيجاب الثواب على فعل الطاعة بناء على كونه/ مقتضى العقل فمبنى على التحسين و التقبيح العقلى، و قد أبطلناه [٢].
و بتقدير التسليم لذلك جدلا.
و لكن لا نسلم أن ذلك من مستحسنات العقول، و بيانه من أربعة أوجه:-
الأول: أنّ ما يأتى به العبد من الطّاعات فهى عندهم واجبة عليه، شكرا لما أنعم الله عليه من النّعم الدنيوية، و من أدى واجبا؛ فإنه لا يستوجب به بمقتضى العقل ثوابا، و لا جزاء؛ و لهذا فإنّ السيّد منّا إذا أحسن إلى عبده و من هو فى رقه و ملكه، و أفاض عليه النعم، و أزاح عنه النّقم، فإنه يستحقّ بمقتضى العقل خدمة العبد له، و طاعته إياه، و ما يفعله العبد من ذلك بطريق الاستحقاق، و الشكر لإحسان سيده إليه، لا يكون بمقتضى العقل موجبا لمجازاة السيد إياه على ذلك الفعل [٣].
الثانى: أنه لو استوجب العبد بمقتضى العقل الثّواب الأبدى على فعل الواجب؛ لاستوجب الرب- تعالى- الشكر الأبدى على العبد بالنعم السابقة؛ بل أولى، و اللازم ممتنع.
و بيان الملازمة: أن عبادة العباد مع الآباد. لا توازى نعم الله- تعالى عليهم فى دار التكليف ساعة من نهار فإذا جاز بمقتضى العقل إيجاب الثّواب الأبدى على الله- تعالى- بطاعة العبد، مع كونها واجبة شكرا لما أنعم الله به عليه ابتداءً؛ فالقول بإيجاب الشّكر الأبدى لله- تعالى- على العبد بما أنعم الله تعالى- عليه به أولى، و اللازم ممتنع؛ لما فيه فى لزوم التكليف فى دار الخلود؛ و هو محال.
[١]
انظر ما سبق ل ١٨٦/ أ و ما بعدها.
[٢]
راجع ما سبق فى الجزء الأول ل ١٧٤، ب و ما بعدها.
[٣]
قارن بما ورد فى الإرشاد للجوينى ص ٣٢١، و شرح المقاصد للتفتازانى ٢/ ١٦٦.