أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٨
أما النص: فقوله عليه- الصلاة و السلام- لعائشة- رضى الله عنها-: «ثوابك على قدر نصبك» [١].
و أما المعنى: فهو أن زيادة المشقة، لو لم تقتض زيادة الثواب؛ لكان التكليف بها، و تحملها خليا عن المقصود، متجردا عن الحكمة؛ و هو ممتنع.
الثالث: أن عبادات الملائكة أسبق لا محالة من عبادات البشر، و السابق إلى العبادة أفضل من المسبوق لقوله- تعالى-: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [٢].
الرابع: أن اشتغال الملائكة بالعبادة دائم، غير منقطع على ما سبق، و ذلك لا يقع معه الإقدام على المعصية، و الأنبياء و إن كانوا معصومين من الكبائر؛ فغير معصومين من الصغائر، كما سبق، و قوله عليه- الصلاة و السلام- «ما منا إلا من عصى، أو هم بالمعصية إلا يحيى بن زكريا» [٣]. فكانت الملائكة لذلك أتقى و الأتقى أفضل؛ لقوله
[١]
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه- كتاب العمرة- باب أجر العمرة على قدر النصب. فتح البارى
٣/ ٧٧٩ عن عائشة وضى الله عنها.
كما
أخرجه مسلم- كتاب الحج- باب بيان وجوه الإحرام، و أنه يجوز أفراد الحج ... الخ. ٢/
٨٧٧ ط عيسى الحلبى- ت محمد فؤاد عبد الباقى.
[٢]
سورة الواقعة ٥٦/ ١٠، ١١.
[٣]
يحيى بن زكريا عليه السلام: هو يحيى بن زكريا بن مسلم بن صدوق ... و يصل نسبه إلى نبى
الله سليمان بن داود عليهم السلام. و هم من سبط يهوذ بن يعقوب عليه السلام.
و
قد ذكر اسم يحيى فى القرآن الكريم فى السور التالية (آل عمران و الأنعام و مريم و الأنبياء).
و
قد ورد الثناء عليه فى قوله- تعالى-: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ
الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيًّا* وَ بَرًّا
بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا سورة مريم ١٩/ ١٢- ١٤.
و
أعطى النبوة و هو ابن ثلاثين سنة وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا سورة مريم ١٩/
١٢.
كما
وصفه الله بأعظم الصفات وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ سورة
آل عمران ٣/ ٣٩.
و
كان عليه السلام ابن خالة عيسى بن مريم عليهما السلام. و يسميه النصارى (يوحنا) و يلقبونه
(المعمدان) و قد عمد يحيى المسيح فى نهر الأردن و قد قتله حاكم فلسطين (هيرودس) لما
عارضه فى الزواج من ابنة أخيه و هو زواج محرم عندهم. كما قتل معه عددا كبيرا من العلماء
الذين أنكروا قتل يحيى، و منهم (زكريا) عليه السلام والده.
و
هذا الحديث الّذي ذكره المصنف أورده الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- أن رسول
الله- صلى اللّه عليه و سلم- قال: (ما من أحد من ولد آدم إلا و قد أخطأ أو هم بخطيئته
ليس يحيى بن زكريا، و ما ينبغى لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى). كما ورد فى فضله.
قال ابن وهب: حدثنى ابن لهيعة .... عن ابن شهاب، قال: خرج رسول الله- صلى اللّه عليه
و سلم- على أصحابه يوما و هم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كليم الله. و قال
قائل: عيسى روح الله و كلمته. و قال قائل: إبراهيم خليل الله. و هم يذكرون ذلك فقال:
«ابن الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر و يأكل الشجر مخالفة الذنب» قال ابن وهب: يريد يحيى
بن زكريا عليه السلام- [قصص الأنبياء ص ٥٣٧- ٥٥١ و النبوة و الأنبياء ص ٣١١- ٣١٦].