أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٨
و قالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فنزل جبريل عليه السلام معاتبا له و قال:
«تلوت على الناس ما لم آتك به» فحزن لذلك حزنا شديدا فنزل قوله- تعالى- مسليا له بقوله: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [١].
و لا يخفى أن الإخبار عن اللات و العزى بأنهن من الغرانيق العلى أى الملائكة، و أن شفاعتهن لترتجى كذب، و الكذب عند الخصوم غير جائز على الأنبياء عمدا، و سهوا.
فإن قيل: التمنى قد يطلق و يراد به التلاوة قال الله- تعالى-: لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [٢]: أى لا يعرفونه إلا تلاوة، و قال حسان بن ثابت:
تمنّى كتاب الله أول ليلة و آخرها لاقى حمام المقادر [٣].
«أراد تلى كتاب الله أول ليلة»، و قد يطلق على التفكر بلغة قريش، فإن كان المراد منه التلاوة؛ فلا نسلم أن ذلك مما جرى على لسانه؛ لأنه إما أن يكون عمدا، أو سهوا.
لا جائز أن يكون عمدا: لأن الثناء على الأصنام، و الإخبار عنها بعلو الرتبة، و عظم الشأن عند من يكون متألها لها مما يزيده [١١]// بها إغراء، و اعتقادا؛ و هو من الكبائر.
و الأنبياء منزهون عن الكبائر بالإجماع منا و منكم، و إن اختلفنا فى الصغائر، و لا جائز أن يكون ساهيا: لقوله- تعالى- سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [٤] و لأن العادة تحيل أن تقع من الساهى مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة، و ما تقدم من معناها.
[١]
سورة الحج ٢٢/ ٥٢- لمزيد من البحث و الدراسة عن هذه الشبهة بالإضافة إلى ما ذكره الآمدي
مفصلا موضحا انظر:
تفسير
الكشاف للزمخشرى ٣/ ١٨، ١٩، و تفسير فخر الدين الرازى ٢٤/ ٤٩- ٥٧.
و
تفسير القرطبى ٧/ ٤٤٧١- ٤٤٧٩، و مختصر تفسير بن كثير ٢/ ٥٥٠، ٥٥١.
و
شرح المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ١٥٣، ١٥٤.
و
شرح المقاصد للتفتازانى ٣/ ٣١٦.
[٢]
سورة البقرة ٢/ ٧٨.
[٣]
قاله حسان بن ثابت رضي اللّه عنه- فى رثاء عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه. و هو حسان
بن ثابت بن المنذر الخزرجى الأنصارى، أبو الوليد. الصحابى، شاعر النبي- صلى اللّه عليه
و سلم- و أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية و الإسلام قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء
بثلاثة: كان شاعر الأنصار فى الجاهلية و شاعر النبي فى النبوة و شاعر اليمانيين فى
الإسلام، توفى سنة ٥٤ ه.
[تهذيب
التهذيب لابن حجر العسقلانى ٢/ ٢٤٧ و خزانة الأدب للبغدادى ١/ ١١١ الأعلام للزركلى
٢/ ١٧٦].
[١١]//
أول ١٠١/ أ.
[٤]
سورة الأعلى ٨٧/ ٦.