أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣١
و أما الأخبار: فمنها ما رواه مالك عن النبي عليه- الصلاة و السلام أنه رأى عفريتا من الجنّ يطلبه كشعلة من نار.
و منها ما اشتهر من قصة النبي- صلى الله عليه و سلم- ليلة الجن [١]،
إلى غير ذلك من الأخبار المرويّة الصحيحة
و أما الاجماع: فهو أن الأمّة سلفا، و خلفا لم يزالوا متطابقين على ذلك و على التعوّذ من الشّياطين من عهد الصّحابة، و إلى زمننا هذا من غير نكير، و من أحاط معرفة بعجائب المقدورات و ما خلق اللّه- تعالى- من السماوات و الأرض و ما بينهما من العجائب و الغرائب و علم أنّ خلق الجنّ مما ليس بمحال لنفسه. و لا القدرة الأزلية قاصرة عنه، و لا أنه مما يلزم عنه إبطال قاعدة من القواعد العقلية، و لا هدم أصل من الأصول الدينية، لم يستبعد وجود الجن، و العمل بظواهر هذه الأدلة السمعية من غير تأويل.
و غاية ما فيه وجود أشخاص بيننا و نحن لا نراها و ليس ذلك ممّا يمنع من وجودهم؛ و الّا لزم منه امتناع وجود الملائكة، و الحفظة الكاتبين؛ و هو خلاف مذهب المسلمين، و أرباب الشرائع.
و إن قلتم بالجنّ: فما الّذي يؤمنه أن يكون المخاطب له جنّى و ما ألقى إليه ليس من عند الله. و مع هذا الاحتمال فلا وثوق برسالته.
[الشبهة] الثانية: أن ما يكلمه و ينزل إليه بالوحى: إما أن يكون جرمانيا، أو روحانيا.
فإن كان الأول: وجب أن يكون مشاهدا مرئيا.
[١]
قال الله- تعالى- وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
و قال- تعالى- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ و عن علقمة
قال: قلت لابن مسعود: (هل صحب رسول الله- صلى الله عليه و سلم- ليلة الجن منكم أحد؟
قال: ما صحبه منا أحد و لكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل أو استطير، ما فعل
به؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان فى وجه الصبح إذا نحن به يجئ من قبل
حراء. فأخبرناه، فقال:
«إنه
أتانى داعى الجن فأتيتهم فقرأت عليهم» فانطلق فأرانا آثارهم، و آثار نيرانهم)
[انظر
تهذيب الخصائص النبوية الكبرى للحافظ السيوطى تهذيب عبد الله التليدى حديث رقم ١٠٧
ص ١٠١].