أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٨٧
الحجة الثانية: أنها بعد مفارقة بدنها لا تفعل، و لا تنفعل، و كل ما لا يفعل، و لا ينفعل فوجوده معطل، و لا معطل فى الوجود الطبيعى [١].
و ذهب فريق آخر إلى التفصيل. و هو أن قال: أفعال النفس منها ما يكون بالبدن و الآلة. كالإدراكات الجزئية بالحواس الخارجية، و منها ما يكون لها لذاتها: كالتعقلات الكلية، و التصورات العقلية.
فما كان لها من الأفعال الأولى؛ فلا يبقى بعد مفارقة البدن. بخلاف ما كان لها من الأفعال الثانية، و على هذا إن/ كانت مفارقتها للبدن قبل تصور المعقولات، و تجريد الكليات من الجزئيات؛ فإنها لا تعاد؛ إذ ليس لها فعل يقتضي لها البقاء، و الانفعال.
و إن كان تكملت بما حصل له أمن التصورات الكلية، و التصديقات العقلية فى حالة اتصالها بالبدن؛ فإنها تبقى، و إن فارقت البدن.
و ذهب أرسطاطاليس و من تابعه من فحول [٢] الحكماء: إلى لزوم بقائها بعد مفارقة البدن، و سواء أ كانت التعقلات التى هى كمالها الممكن لها قد حصلت حالة المفارقة، أو لم تكن حاصلة، محتجين على ذلك بحجج ثلاث:
الحجة الأولى: أن ما يعدم بعد وجوده، لا يجوز أن يكون انعدامه لذاته؛ و إلا لما وجد؛ فانعدامه: إما أن يكون لعدم علته الفاعلة المقتضية لبقائه و استمراره، كما فى انعدام ضوء المصباح عند انطفائه.
و إما لوجود مزاحم يبطله، و مضاد يعدمه: كانعدام برودة الماء بالحرارة الطارئة عليه، الغالبة له، فلو انعدمت النفس، لكان انعدامها لأحد هذين الأمرين، و كل واحد منهما باطل.
أما أنه لا يجوز أن يكون انعدامها لانعدام علتها؛ إذ العلة الفاعلية للنفس الناطقة إنما هو العقل الفعال؛ و هو غير قابل للكون، و الفساد [١١]// على ما قرر فى الحكميات.
[١]
قارن بما قاله أرسطو فى النفس ص ٤٤، ٤٥ د. الأهوانى ط: الحلبى.
[٢]
تابع أرسطو من فلاسفة الاسلام. الكندى: فى رسائله الفلسفية ص ٢٨٠، و ابن سينا: فى النجاة
ص ١٨٥ و الإشارات و التنبيهات ٢/ ٤٢٩، ٤٣٠ تحقيق د. دنيا.
و
الإمام الغزالى: تهافت الفلاسفة ص ٣٠٧- ٣٠٩ و معارج القدس ص ١٣١- ١٣٤.
[١١]//
أول ل ١١٥/ ب من النسخة ب.