أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٩
و بيانه من اثنى عشر وجها: الأول: أنه من المحتمل أنهم تركوا معارضته؛ لعدم/ اكتراثهم به، و ظنهم أن ذلك أنجع الطرق فى اخماد ما أتى به، و خمول دعوته.
الثانى: أنه من المحتمل أنهم ظنوا أن دفعه بالقتال، و الحرب أقضى إلى مقصودهم من المعارضة.
الثالث: أنه لا يخفى على ذى أدب ما القرآن عليه من البلاغة و الفصاحة، و النظم الغريب. و أن المقتدر على ذلك بتقدير فرضه ليس إلا الأقلون، و عند ذلك فمن المحتمل أن تكون محاذرتهم للمعارضة خوفا من استرابة بعض الناس فى التفضيل، و استقرار إعجاز القرآن فى نفوسهم.
الرابع: هو أن العرب كما أنهم دعوا إلى النظر فى آيات نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم- فقد دعوا إلى النّظر فى آيات الوحدانية و المعاد و غير ذلك.
و مع ذلك فإنّهم لم ينظروا فيها مع قدرتهم عليها، فعدم نظرهم فى معجزاته؛ لا يدل على عجزهم عنها.
الخامس: هو أنّ القرآن مشتمل على النّظم الغريب، و البلاغة و الإخبار عن الغيب، و غير ذلك من العجائب. و لعلهم لم يعلموا وجه التحدى هل هو بالنّظم، أو البلاغة، أو الإخبار بالغيب، أو بالمجموع، فلذلك عدلوا عن المعارضة إلى غيرها.
السادس: أنه من المحتمل أنّهم ظنوا لضعفه صلى اللّه عليه و سلم- و خموله فى ابتداء أمره، و قلّة المعين له. أنّ أمره لا ينتهى إلى ما انتهى إليه من الاستيلاء على البلاد، و عموم حكمه، و تكليفه للعباد. فلذلك لم يعارضوه؛ لعدم اعتقادهم توجّه المحذور نحوهم.
و بعد أن قويت شوكته و علت كلمته، امتنعوا من المعارضة خوفا كما جرت عادة الرّعايا مع الملوك.
السابع: أنه من المحتمل أنّهم كانوا يعتقدون أن ما كان لهم من النّظم، و النّثر أفصح، و أبلغ من القرآن. و أنّ ذلك مما لا يتشكّك فيه أحد من البلغاء، فلذلك لم يتعرّضوا للمعارضة.