أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٣٣
و أنكر الجبائى، و ابنه، و البلخى تسمية الملكين: منكرا، و نكيرا؛ مع الاعتراف بهما و إنما المنكر: ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل، و النكير: تقريع الملكين له.
[الدليل على إحياء الموتى فى قبورهم]
و الدليل على إحياء الموتى فى قبورهم قبل الإحياء للحشر قوله- تعالى-: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [١] و المراد بالإماتتين: الموتة التى قبل مزار القبور، و الموتة التى بعد مساءلة منكر و نكير، و المراد بالحياتين: الحياة الأولى، و الحياة لأجل المساءلة على ما قاله المفسرون [٢].
فإن قيل: لا نسلم أن المراد بالإماتتين، و الحياتين ما ذكرتموه، و ما ذكرتموه عن المفسرين: فهو معارض بما يناقضه من قول غيرهم من المفسرين أيضا: فإنه قد قيل إن المراد بالإماتتين: الموتة الأولى: فى أطوار النطفة قبل نفخ الروح فيها، و الثانية: التى قبل مزار القبور، و المراد بالحياتين: التى قبل/ مزار القبور، و الحياة لأجل الحشر.
و ليس أحد القولين أولى من الآخر؛ بل هذا القول أولى؛ لأنه لو كان كذلك فيكون على وفق المفهوم من قوله- تعالى- وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ حيث إنه يدل بمفهومه على نفى حياة ثالثة، و ما ذكرتموه يلزم منه أن يكون الإحياء ثلاث مرات: الإحياء الأول:
الّذي قبل مزار القبور. و الإحياء للمسائلة، و الإحياء للحشر: و هو خلاف المفهوم من الآية [٣].
قلنا: ما ذكرناه أولى لوجهين:
الأول: أنه الشائع المستفيض بين أرباب التفسير، و ما ذكرتموه فقول شذوذ لا يؤبه لهم.
الثانى: أن حمل الإماتة على حالة أطوار النطفة مخالف للظاهر. فإن الإماتة لا تطلق إلا بعد سابقة الحياة و ما ذكرناه، فعلى وفق الظاهر؛ فكان أولى.
قولهم: يلزم مما ذكرتموه مخالفة مفهوم الآية. لا نسلم أن المفهوم حجة.
[١]
سورة غافر ٤٠/ ١١.
[٢]
راجع تفسير القرطبى، و شرح المقاصد ٢/ ١٦٢. و قارن بتفسير الطبرى ٢٤/ ٣٢، و تفسير الرازى
٢٧/ ٣٨ و ما بعدها.
[٣]
انظر الفصل فى الملل و الأهواء و النحل لابن حزم ٤/ ٥٥ و ما بعدها و الروح لابن القيم
ص ٦٠.