أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٤٩
و لا يخفى أن نسبة النسيان إلى النبي- صلى اللّه عليه و سلم- مع أنه لا تبعة على الناسى أولى من نسبة ترك الواجب، أو فعل المحرّم إليه، مع لزوم التبعة فيه [١١]// كيف و أنه إذا قيل بجواز ارتكاب النبي- صلى اللّه عليه و سلم-/ المعصية عمدا، فالقول بامتناع ذلك عليه ناسيا خروج عن المعقول، و قول بما لم يقل به قائل؛ بل الصحيح المنقول فيه أنه قال: «أمّا أنا أنسى و أنسّى لأشرع». و ذلك ظاهر فى سبب النسيان حقيقة؛ فلا يجوز ترك الظاهر من غير دليل.
قولهم: المسموع من قوله تلك «الغرانيق العلى». إنما كان صوت الشيطان.
قلنا: إحالة ذلك على سماع صوت الشيطان مع أن القراءة لم تسمع فى اعتقاد كل من كان حاضرا إلا من النبي مما يوجب انخراق العادة و ذلك لا يجوز إلا بدليل مقاوم للأمر العادى، أو أرجح منه. و سيأتى له مزيد تقرير فيما بعد.
قولهم: الإجماع منعقد على امتناع صدور كلمة الشرك من الأنبياء.
قلنا: فى العمد، أو النسيان، الأول: مسلم. و الثانى: ممنوع.
و أما قوله- تعالى- أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [١] فالمراد منه وسوس فى قلبه، و خيّل إليه، و أشغله حتى نسى.
قولهم: يجب حمله على التشبيه بالناسى.
قلنا: هذا هو الكفر الصراح؛ إذ فيه تشبه تعمد النطق بالشرك أو بتلاوة ما ليس من القرآن فى الصلاة؛ لقصد التشريع؛ و هو محال.
قولهم: يجب حمل النسيان فى النصوص على التشبه بالناسى.
قلنا: هذا ترك لحقيقة النسيان من غير دليل؛ فلا يقبل.
قولهم: لفظ النسيان مسلّم. غير أن تقييد المطلق أيضا من غير دليل ممتنع، كما أن تخصيص العموم من غير دليل ممتنع.
الطرف الثانى: فى بيان ما قيل فى عصمة الأنبياء عن تعمد الصغائر التى لا يلحق فاعلها بالأخسّاء الأراذل، كما سبق تحقيقه. [و يشتمل على عشرين حجة]
[١١]//
أول ل ٩٣/ ب.
[١]
سورة الحج ٢٢/ ٥٢.