أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٧٤
فكم فيهم من سيّد متوسّع و من فاعل الخيرات إن همّ أو عزم [١]
فرّق بين الهم و العزم؛ و هو دليل الافتراق فى المعنى.
و قد يطلق الهمّ بمعنى المقاربة، و منه يقال همّ فلان بكذا و كذا: أى قارب أن يفعله، فقد قال ذو الرمة:
أقول لمسعود بجرعاء مالك و قد همّ دمعى أن تلجّ أوائله [٢]
وصف الدّمع بالهم، و أراد به أنه قارب أن يخرج، لاستحالة العزم على الدّمع.
و قد يطلق الهمّ بمعنى الشهوة، و ميل الطبع، و لهذا يصح أن يقول القائل: «هذا الشيء من همّى: أى مشتهى لى» و هذا ليس من همّى، أو هو غير مشتهى لى».
و على هذا فليس القول بحمل الهمّ [٣] فى الآية على العزم أولى من غيره من الاحتمالات، و ليس فى باقى الاحتمالات غير العزم معصية.
سلمنا أن الهمّ فى الآية بمعنى العزم، غير أن ما به الهمّ فى الآية ليس هو نفس ذاتها؛ لأن الذّوات حالة بقائها لا تتعلق الإرادة بها؛ بل بفعل فى ذاتها، و هو غير معين، و لا مذكور.
و عند ذلك: فليس حمل الهمّ على الفاحشة، أولى من حملة على غيرها من ضرب امرأة [٤] العزيز، و دفعها عن نفسه، أو غير ذلك من ضروب الأفعال التى ليست معصية.
[١]
ديوان كعب بن زهير ص ٧١. و هو كعب بن زهير بن أبى سلمى المازنى، شاعر من أهل نجد اشتهر
فى الجاهلية. و لما ظهر الإسلام هجا النبي- صلى الله عليه و سلم- و أقام يشبب بنساء
المسلمين؛ فهدر النبي- صلى الله عليه و سلم- دمه؛ فجاءه كعب مستأمنا و قد أسلم، و أنشده
لاميته المشهورة التى مطلعها بانت سعاد فعفا عنه النبي- صلى الله عليه و سلم- و خلع
عليه بردته. توفى سنة ٢٦ ه. [الأعلام للزركلى ٥/ ٢٢٦، معجم المؤلفين ٨/ ١٤٤].
[٢]
ديوان ذى الرمة ٢/ ١٢٤٥ و اسمه: غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود بن حارثة المضرى و
يلقب بذى الرمة، كان شديد القصر دميما، و كان مقيما بالبادية توفى بأصبهان سنة ١١٧
ه [تاريخ الاسلام للذهبى ٣/ ٢٤٧، ٢٤٨، معجم المؤلفين ٨/ ٤٤].
[٣]
ورد فى المعجم الوسيط (باب) الهاء. (همّ) بالأمر- همّا: عزم على القيام به و لم يفعله
و- لنفسه: طلب و احتال.
و-
الأمر فلانا: أقلقه و أحزنه.
[٤]
امرأة العزيز: و اسمها: (راعيل) بنت رمايل، و قيل: كان اسمها: (زليخا) و الظاهر أنه
لقبها، و قيل: (فكا) بنت ينوس. و كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر، و
قيل: إن يوسف عليه السلام تزوجها بعد موت زوجها؛ فوجدها عذراء؛ لأن زوجها كان لا يأتى
النساء فولدت له رجلين هما: أفرايم و منسا. [قصص الأنبياء لابن كثير ص ٢٣٧- ٢٥١].