أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٢١
و عند ذلك: فإما أن تكون هذه الأمور دالة على اختصاصه بالقرآن و أنه لم يظهر إلا على يده، أو لا تدل عليه.
فإن كان الأول: فهو المطلوب، على أن كل عاقل ناظر إلى هذه الأحوال يعلم ضرورة اختصاص القرآن به دون غيره.
و إن كان الثانى: فمع بعده فلا نسلم تصور إظهاره له مع التحدى و دعوة النبوة؛ بل لو كان كاذبا فى دعوى الرسالة فالله- تعالى- يطمس على قلبه، و لسانه بحيث لا يقدر على الإفصاح بآية منه، و إن أقدره الله على إظهاره؛ فلا بد و أن يقيض له من يكذبه.
أما أن يكون ذلك الشّخص حافظا للقرآن فيبتدر إلى تلاوته و إظهار تكذيبه، أو بالمعارضة بمثله؛ بل أبلغ من ذلك و هو أن أحدا لو أخذ حجر المغناطيس الجاذب للحديد بخاصية به و مضى به إلى بلد لا يعرف ذلك الحجر فيه و لا سمع به و ادّعى النّبوّة و جعل آية صدقه جذب ذلك الحجر الحديد، كما جعل موسى آيته بلع عصاه للعصى.
فقد قال القاضى أبو بكر، و الأئمة من أصحابنا: أنه لا يتمكّن منه؛ بل لا بدّ و أن تذهب تلك الخاصيّة عن حجر المغناطيس فى ذلك الموضع، أو أن يقيّض اللّه- تعالى- له أمثال ذلك الحجر فى ذلك الموضع مع شخص آخر يظهر به كذبه، و افتراه.
قولهم: إن الهيئة الاجتماعية صادرة عنه دون مفردات الكلمات و آحاد الآيات:
عنه أجوبة:
الأول: أنه لو كان الأمر على ما ذكروه؛ لاستحال فى العادة مع تحديه على العرب، و تعجيزهم عن الإتيان بمثله، إذ لا يبادروا إلى الرد عليه بأنّ آحاد الآيات ليس من كلامك، و إنما هى لغيرك و لو وجد ذلك لاشتهر كما اشتهر ارتداد كاتب الوحى عند قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [١] و قول النبي- صلى الله عليه و سلم- له اكتب هذا فهكذا أنزل، فإن العادة تقتضى ذلك و تحيل عدم اشتهاره.
[١]
سورة المؤمنون ٢٣/ ١٤. و كاتب الوحى الّذي ارتد عن الإسلام هو عبد الله بن أبى سرح
الّذي كان يكتب الوحى لرسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- ثم ارتد و لحق بالمشركين.
و سبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التى فى (المؤمنين) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ دعاه النبي- صلى اللّه عليه و سلم- فأملاها عليها؛
فلما انتهى إلى قوله- تعالى- ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ عجب عبد الله فى تفصيل
خلق الإنسان فقال: «تبارك الله أحسن الخالقين». فقال رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم-:
«هكذا أنزلت عليّ» فشك عبد الله حينئذ و قال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلى كما
أوحى إليه، و لئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، فارتد عن الإسلام و لحق بالمشركين؛-