أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٤٠
و إن سلمنا منافاة المرقد للعذاب [١١]// مطلقا؛ غير أن بعثهم من مرقدهم لا يدل على انتفاء عذاب القبر مطلقا لوجهين:
الأول: أن عذاب القبر غير دائم فى بعض الأوقات دون البعض على ما قال- تعالى-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا [١] و فيما بين ذلك فالعذاب/ يكون مفتّرا، و قيام الساعة إنما يكون عند ارتفاع النهار على ما وردت به الأحاديث و لعل ذلك يقع مصادفا لوقت الفترة فى مرقدهم.
الثانى: أنه قد ورد فى الروايات الصحاح عن النبي عليه السلام «أن عذاب القبر يرتفع فيما بين النفختين: نفخة الصعقة، و نفخة الحشر [٢]؛ فلا تقوم الساعة إلا و هم فى مرقدهم غير معذبين. و به الرد على الصالحى و موافقيه [٣].
و أما قوله- تعالى-: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [٤] فهو وارد فى حق أهل الجنة، و عند ذلك فيحتمل أن يكون المراد من قوله إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى جنس الموت، و إن كانت الصيغة صيغة الواحدان كما فى قوله- تعالى-: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [٥].
و المراد به جنس الناس، و ليس فى ذلك ما يدل على انتفاء كثرة الموت فى نفسه.
و إن سلمنا ظهور اللفظ فى الموتة عن الحياة الأولى؛ غير أنه يحتمل أنه أراد بذلك تعريف أنهم لا يذوقون فيها ألم الموت كما لقوه فى الموتة الأولى، [و ليس فى ذلك ما يدل على انتفاء موتة أخرى؛ لجواز أن لا يذوقون فيها ألم الموت، و شدته كما لقوه فى شدة الموتة الأولى] [٦] و لا يلزم من انتفاء وصف الموتة الأولى عن غيرها، انتفاء أصل الموت.
و يحتمل أنه أراد بذلك بيان دوام نعيمهم، و عدم انقطاعه فقال لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ: أى لا ينقطع نعيمهم بالموت: كانقطاع نعيم أهل الدنيا بالموت، و ليس فى
[١١]//
أول ل ١٢٥/ أ.
[١]
سورة غافر ٤٠/ ٤٦.
[٢]
و قد أورده ابن القيم بمعناه فى كتابه الروح ص ١٢٣.
[٣]
راجع قول الصالحى، و ابن جرير الطبرى، و بعض الكرّاميّة ل ٢١٩/ أ.
[٤]
سورة الدخان ٤٤/ ٥٦.
[٥]
سورة العصر ١٠٣/ ٢.
[٦]
ساقط من (أ).