أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٩٨
الثانى: و إن سلمنا مخالفة وزنه لسائر الأوزان؛ فيمتنع أن يكون ذلك بمجرده معجزا، و إلا كان ما أتى به مسيلمة [١]. و غيره على ما يأتى معجزا؛ إذ هو على وزنه، أو أن لا يكون وزن القرآن معجزا.
و أما القول بأن وجه الإعجاز من القرآن مجرد ما فيه من البلاغة فباطل من خمسة أوجه:
الأول: أنّا إذا نظرنا إلى أبلغ خطب الخطباء، و أجزل قصيدة للشعراء، و قطعنا النظر عن الوزن، و النّظم المخصوص، و قسناه بقصار سور القرآن، كان الأمر فى التّفاوت ملتبسا على البلغاء، و ربّما كان الراجح فى نظره معارضتها، و المعجز لا بد أن يكون التّفاوت بينه، و بين غيره قد انتهى إلى حد ينتفى معه الشّك، و الرّيبة فى التباسه بغيره.
الثانى: هو أن كلام القرآن غير خارج عن كلام العرب، و ما من أحد من بلغاء العرب إلا و قد كان عالما بمفردات الكلمات، و عالما بجهة تراكيبها، و كان مقدورا له الإتيان بالكلمة، و الكلمات و الآية و الآيات. و من كان قادرا على ذلك؛ كان قادرا على الكلّ.
الثالث: أنّ الصّحابة اختلفوا فى بعض السور، و الآيات أنّها من القرآن. و لو كانت بلاغتها بالنّسبة إلى غيرها منتهية إلى حد الإعجاز؛ لعرفوها، و لم يختلفوا فيها.
الرابع: أن الصّحابة عند جمع القرآن كان إذا أتى الواحد منهم بآية أو آيات. و لم يكن مشهورا بالعدالة لا يضعونها فى المصحف إلا ببيّنة، و لو كانت بلاغتها منتهية إلى حدّ الإعجاز؛ لعرفوها بذلك و لم يعتبروا فى وضعها فى المصحف عدالة الرّاوى لها.
الخامس: أنّه و إن تميّز بنوع بلاغة على من فى عصره، غير أن ذلك ممّا لا يدل على الإعجاز، و الدّلالة على صدق مدّعى النبوّة، إذ التفاوت فى ذلك فيما بين النّاس واقع لا محالة و ليس له حد توقف عنده، إذ ما من فصيح إلا و لعلّ غيره أفصح منه، و لا يمتنع أن تنتهى البلاغة، و الفصاحة فى كل عصر إلى فصيح لا أفصح منه فى زمانه، و ذلك غير موجب للإعجاز، و لا للدلالة [١١]// على صدق مدّعى النّبوة؛ لجواز أن يكون ذلك الشخص هو الّذي انتهت الفصاحة إليه فى زمانه. بحيث يكون لا أفصح منه فى ذلك العصر.
[١]
مسليمة الكذاب: يضرب به المثل فى الكذب، هو ابن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفى الوائلى-
أحد الذين ادعوا النبوة، ولد و نشأ باليمامة فى وادى حنيفة من نجد، و قد أكثر من وضع
الاسجاع التى يحاول بها مضاهاة القرآن الكريم، حاربه سيف الله خالد بن الوليد و قتله
و خلص العالم من شرورة سنة ١٢ ه (سيرة ابن هشام ٣/ ٧٤، الأعلام للزركلى ٧/ ٢٢٦).
[١١]//
أول ل ٨٤/ أ.