أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٨
الأول: ممتنع مخالف لضرورة العقل؛ و ذلك لأن الإرسال سبب لهلاكهم، و استحقاق العقوبة عليهم، و خلودهم فى النار، و لا كذلك فى عدم الإرسال، و ما علم الله أنه سبب هلاك العبد كيف يكون أصلح للعبد مما لا هلاك فيه.
و إن كان الثانى: فليس القول بإيجابه عقلا، مع أنه ليس أصلح أولى من عدم الإيجاب؛ بل عدم الإيجاب أولى كعدم ملازمة الهلاك له و ملازمة الهلاك فى مقابله.
و القول بأن الإرسال فى هذه الصورة حسن و ليس واجبا؛ فهو أيضا باطل على أصول القائلين بالتحسين و التقبيح العقلى؛ و ذلك لأنه لا يخلو: إما أن يكون الإرسال فى الصورة المفروضة استصلاحا، أو استفسادا، أو أنه عرىّ عن الأمرين:
فإن كان الأول: لزم القول على أصلهم بالوجوب؛ لما فيه استصلاح العبد.
و إن كان الثانى: لزم القطع بتقبيحه.
و إن كان الثالث: فليس القول بالتحسين مع خلوه عن الاستصلاح أولى من القول بعدمه؛ بل القول بالتقبيح و عدم التحسين أولى؛ لما فيه من العبث و الخلو عن الغرض.
و أما من قال بامتناع البعثة إذا لم تتضمن تعريف أمر متجدد من القضايا الشرعية، أو نسخ شيء منها، أو تذكيرا بما نسى، و اندرس من الشرائع المتقدمة؛ فهو فاسد من وجهين:
الأول: أنه مبنى على وجوب رعاية الحكمة فى فعل اللّه تعالى- و قد سبق إبطاله فى التعديل و التجوير [١].
الثانى: و إن كان لا بد من رعاية الحكمة و الغرض، فما المانع أن يكون الغرض التأكيد بضم طريق معرفته إلى آخر، كما جاز القول بنصب أدلة على الواجبات العقلية عندهم، و إظهار معجزات متوالية دالة على صدق النبي مع استقلال المتقدم منها بذلك.
فإن قيل: إنما جاز نصب الأدلة العقلية، و إظهار المعجزات المتعددة الدالة على صدق الرسول؛ لأن الناس يتفاوتون فى دلالة الأدلة العقلية و دلالة المعجزات على
[١]
انظر ما مر فى الجزء الأول ل ١٨٦/ أو ما بعدها ص ١٥١ و ما بعدها من الجزء الثانى.