أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨٦
فى شيء، و عاصيا بغيره، فلا امتناع فيه. كيف و أن هؤلاء و إن أوجبوا إحباط ثواب الطاعات بالكبيرة الواحدة، فإنهم لا يمنعون من الحكم على ما صدر من صاحب الكبيرة من أنواع العبادات: كالصلاة، و الصوم، و الحج، و غيره بالصحة، و وقوعها موقع الامتثال، و الخروج عن عهدة أمر الشارع؛ بخلاف ما يقارن الشرك منها، و إجماع الأمة دل عليه أيضا. و على هذا: فلا يمتنع اجتماع الطاعة و المعصية، و أن يكون مثابا على هذه، و معاقبا على هذه.
و على هذا: يخرج الجواب عن الحجة الثانية أيضا، فإن التعظيم، و الإهانة إنما يمتنع اجتماعهما من شخص واحد لواحد؛ أن لو اتحدت جهة التعظيم و الإهانة، و إلا فبتقدير أن يكون معظما من جهة، مهانا من جهة، معظما/ من جهة طاعته، مهانا من جهة معصيته؛ فلا مانع فيه.
و أما الحجة الثالثة: القائلة بتأبيد الثواب، و العقاب؛ فمبنية على التحسين و التقبيح، و وجوب رعاية الحكمة، و الثواب، و العقاب للمطيع، و العاصى على الله- تعالى، و قد أبطلناه [١]. و بتقدير التسليم لهذه الأصول جدلا، فما المانع من تأبد الثواب، و العقاب على فعل الطاعة، و المعصية، و ذلك بأن يجمع الله- تعالى- له بين النعيم، و العذاب أبدا سرمدا. كما يجمع للواحد منا فى الدنيا بين الغموم، و الهموم و الأفراح باجتماع الأسباب الموجبة لها، حتى أنه يكون فرحا بأمر، و مغموما مهموما بأمر، أو بأن يعاقبه تارة، و ينعمه أخرى إلى ما لا يتناهى.
و هذا هو الأولى فى العقل، من تعطيل أحد السببين، و اعتبار الآخر.
فلئن قالوا: القول بذلك مما يبطل الثواب و العقاب معا؛ إذ النعيم هو الّذي لا يشوبه كدر، و العذاب المقيم هو الّذي لا يشوبه راحة.
قلنا: و ما المانع من قسم أخر، و هو نعيم مشوب بكدر، و عذاب مشوب براحة، و يكون المتمحض من النعيم، لمن تمحضت طاعاته غير مشوبة بالزلات، و المتمحض من العذاب، لمن تمحضت زلاته غير مشوبة بالطاعة، و المشوب لمن شاب الطاعات بالزلات، و الزلات بالطاعات، إذ هو أولى و أقرب، إلى العدل على أصولكم.
[١]
راجع ما سبق فى الجزء الأول ل ١٧٤/ ب و ما بعدها.