أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٨٢
و أما قوله- تعالى:- وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [١] لا نسلم العموم فى الألف و اللام فيه.
و إن سلمنا العموم فيه؛ و لكن لا نسلم أن قوله- تعالى:- وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [٢] للتأبيد.
و لهذا يصح أن يقال: فلان لا يغيب عنى، إذا كان غالب أحواله كذلك، و إن غاب عنه فى بعض الأوقات، و لو كان ذلك للتأبيد حقيقة؛ لكان هذا الإطلاق تجوزا، و لا يخفى أن الأصل فى الإطلاق الحقيقة، و لا يلزم منه الاشتراك؛ لإمكان أن يكون المدلول هو الملازمة فى الغالب، و الدائم مشتمل على الغالب و زيادة.
سلمنا دلالة ما ذكروه من الآيات على الخلود بمعنى التأبيد، غير أنه يجب حملها على الكفار جمعا بينها، و بين ما ذكرناه من الدليل العقلى؛ ثم إنها معارضة بما سبق من آيات الوعد؛ و بما القرآن مشتمل عليه من آيات الوعد بالثواب كما فى قوله- تعالى:- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [٣] و قوله- تعالى:- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [٤] و قوله- تعالى:- هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وقوع الثواب.
و عند ذلك: فإما أن يقال: بأنه لا منافاة بين استحقاق الثواب و العقاب، أو يقال بالمنافاة.
فإن كان الأول: فهو خلاف مذهبم.
و إن كان الثانى: فليس إدراج ما نحن فيه تحت آيات الوعيد، أولى من إدراجه تحت آيات الوعد- و عند تقابل السمعيات يسلم لنا ما ذكرناه من الدليل العقلى. كيف و أن الترجيح لآيات الوعد؛ لما سبق فى الفصل الّذي قبله [٦].
[١]
سورة الانفطار ٨٢/ ١٤.
[٢]
سورة الانفطار ٨٢/ ١٦.
[٣]
سورة الزلزلة ٩٩/ ٧.
[٤]
سورة النجم ٥٣/ ٣١.
[٥]
سورة الرحمن ٥٥/ ٦٠.
[٦]
انظر ما سبق ل ٢٢٦/ أ و ما بعدها.