أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٧٦
أحدهما، نفى الآخر، و قوله تعالى: ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ [١] فالمفهوم من العاصم هو المانع على طريق القهر و الغلبة، و لا يلزم من نفى ذلك، نفى الشفيع؛ لما عرف، و قوله عليه السلام: «لا تنال شفاعتى أهل الكبائر من أمتى».
فقد قيل: إنه مرسل؛ فلا يكون حجة، و إن كان حجة؛ غير أنه أمكن حمله على من كفر من أمته، و كون تسميته من أمته بطريق المجاز باعتبار ما كان عليه، كما فى تسمية المعتق عبدا، و نحوه و يجب حمله عليه جمعا بينه، و بين ما ذكرنا من الأخبار [٢].
فلئن قالوا: أ ليس تأويل هذا الخبر بحمله على من كفر من أمته ضرورة إجراء ما ذكرتموه على ظاهره؟.
قلنا: فهذا ممتنع؛ فإن من تاب عن الكبيرة من المؤمنين؛ فالعفو عنه واجب عندهم؛ فلا يحتاج فى كبيرته إلى شفاعة، و كذلك أن لو حملوه على الصغائر.
قولهم: سلمنا الشفاعة و لكن ليس فى ذلك ما يدل على إسقاط العقوبة.
فقد قيل فى جوابه: إن الشفيع حقيقة فى طالب دفع الضرر بالإجماع، و ليس حقيقة فى طالب جلب النفع؛ إلا لصح تسمية الواحد من أمة النبي صلى اللّه عليه و سلم شافعا للنبى عند سؤاله- تعالى- فى زيادة كرامته و رفع درجته؛ و ليس كذلك بالإجماع؛ فوجب حمله على الحقيقة دون المجاز؛ و ليس بحق؛ فإنه إن امتنع إطلاق اسم الشفيع على الواحد من أمة النبي صلى اللّه عليه و سلم عند ما إذا سأل الله- تعالى/ الزيادة فى كرامته. فعند ما إذا سأل الله- تعالى- دفع الضرر عنه: إما أن يقال له شفيع، أو لا يقال له ذلك.
فإن كان الأول: فالفرق تحكم غير مقبول.
و إن كان الثانى: فكما دل امتناع إطلاق الشفيع على الواحد من الأمة عند طلب الزيادة فى كرامة النبي صلى اللّه عليه و سلم على أن الشفيع ليس حقيقة فى طالب النفع.
[١]
سورة يونس ١٠/ ٢٧.
[٢]
رد الإمام الباقلانى على من استشهد بهذا الحديث و وضح أنه من شبه الخصوم فقال: «فصل
نذكر فيه شبها لهم يرومون بذلك دفع الأخبار الصحاح المجمع على صحتها فى صحة الشفاعة
... فإن قالوا: هذه الأخبار تعارض بمثلها فإنه قد روى الحسن البصرى و غيره عن النبي-
صلى اللّه عليه و سلم- أنه قال: «لا تنال شفاعتى أهل الكبائر من أمتى».
فالجواب
من وجهين: أحدهما: أن هذا عن الحسن لم يصح، و لم يرد فى خبر صحيح و لا سقيم، و إنما
هو اختلاق و كذب» [انظر الإنصاف للباقلانى ص ١٦٨- ١٧٦ فقد وضح الموضوع ورد على المخالفين
بالتفصيل].