أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٧٤
و على هذا: فأمكن أن يكون المراد من الظالمين الكفار؛ فإن الكفار ظلمة على ما قال- تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [١].
و إن سلمنا العموم غير أنه/ يجب حمله على الكفار؛ ضرورة الجمع بينه، و بين ما ذكرناه من الدليل، و ربما قيل بموجب هذه الآية من حيث إنها نفت أن يكون فى الآخرة شفيع مطاع، و لا يلزم من نفى الشفيع المطاع؛ نفى الشفيع مطلقا، و هو بعيد من جهة أن الطاعة فى اللغة عبارة عن فعل مراد الطالب.
و سواء كان الطالب مساويا، أو أعلى أو أدنى، و لذلك قال عليه السلام لابن عباس: «إن أطعت الله أطاعك»: أى إن فعلت ما أراد؛ فعل ما تريد، و قد حققنا ذلك فيما تقدم [٢]، و لو لم يكن فى الآخرة شفيع مطاع؛ لما كان مراده حاصلا من شفاعته، و هو خلاف مطلوبنا، و قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [٣].
فنحن و إن سلمنا جدلا أن العموم له صيغة غير أن الضمير فى قوله تعالى: وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ إنما هو عائد إلى النفس المذكورة ثانيا، و هى نكرة، و الأصل فى النكرات الخصوص، إلا إذا كانت منفية كقولهم: لا رجل فى الدار، أو نفى عنها شيء كقولهم: ما جاءنى أحد. و النفس المذكورة ثانيا غير منفية، و لا نفى عنها شيء فتبقى على الخصوص.
و على هذا: فيمكن أن يكون المراد منها النفس الكافرة، و يجب الحمل عليها جمعا بين الدليلين.
فإن قيل: النكرة و إن لم تكن منفية، و لا نفى عنها شيء إلا أنها إذا كانت متعلقة بما نفى عنه شيء، فتكون عامة كما لو قال القائل: و الله لا شربت ماء من إداوة [٤]، فإن المنفى: هو الشرب، و الماء محله، و الإداوة عمل المحل، و مع ذلك فإنه يعم كل إداوة، حتى أنه يحرم الشرب من أى إداوة كان.
[١]
سورة البقرة ٢/ ٢٥٤.
[٢]
راجع ما تقدم ل ٢٢٧/ ب.
[٣]
سورة البقرة ٢/ ١٢٣.
[٤]
الإدواة: إناء صغير يحمل فيه الماء (ج) أداوى. [المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية-
الطبعة الثالثة- باب الهمزة. ١/ ١٠].