أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٦٧
قوله تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [١] و المراد بالمغفرة هنا إنما: هو تأخير العقوبة لا إسقاطها؛ لأن الآية وردت فى حق الكفار، و العقوبة غير ساقطة عنهم إجماعا.
و يدل عليه أيضا: قوله تعالى: وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ [٢] و هو صريح فى المغفرة بمعنى: تأخير العقوبة.
سلمنا أن المغفرة ظاهرة فى إسقاط العقوبة، غير أنه قد اقترن بها ما يدل على إرادة الغفران بجهة تأخير العقوبة.
و دليله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [٣].
و وجه الاحتجاج به أنه خاطب الكفار، و حذرهم من تعجيل العقوبة على ترك الإيمان بالشرك ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أى لا يؤخر عقوبة الشرك؛ بل يعجلها.
و قوله: وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ مقابل لقوله/ تعالى: لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فإذا كان معنى سلب الغفران: تعجيل العقوبة، فالغفران المقابل له، يكون بتأخير العقوبة.
سملنا دلالة الآية على المغفرة بمعنى: إسقاط العقوبة. غير أنه أراد به [١١]// إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة، أو جملة العقوبات، أو بعض أنواعها،
لا سبيل إلى الأول؛ لعدم دلالة اللفظ عليه،
و إن كان الثانى: فلا يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبة أن لا يعاقب ببعضها.
و إن كان الثالث: فلا يلزم من إسقاط بعض أنواع العقوبة إسقاط البعض الآخر.
و أما باقى النصوص؛ فلا نسلم العموم فيها.
[١]
سورة الرعد ١٣/ ٦.
[٢]
سورة الكهف ١٨/ ٥٨.
[٣]
سورة النساء ٤/ ٤٧، ٤٨.
[١١]//
أول ل ١٢٩/ ب.