أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٦٦
الأول: أنّه لو جاز العفو. فما من أحد إلا و يحدث نفسه بجواز العفو عنه، و الصفح عن ذنبه؛ و ذلك مما يسهل عليه الإقدام على المعصية، و هو إغراء من الله- تعالى- للعبد بالمعصية. و الإغراء بالمعصية قبيح؛ و هو مستحيل فى حق الله- تعالى.
الثانى: أنّه إذا جاز العفو. فإما: أن يدخله الجنّة، أو لا يدخله الجنة- الثانى/ خلاف الإجماع و إن أدخله الجنة؛ فيلزم من ذلك أن يكون التفضل، مساويا للثّواب؛ و هو ممتنع لما سبق.
كيف و أن ما ذكرتموه ينتقض بوصف الذّم فإنه عقوبة، و مع ذلك فإنه لا يسقط بإسقاط المستحق، و ينتقض بكثير من الحقوق الثابتة؛ فإنها لا تسقط بإسقاط المستحق لها: كالثواب المستحق للعبد.
فإنه لا يسقط بإسقاطه، و كذلك شكر المنعم؛ فإنه حق له، و لا يسقط بإسقاطه.
و أما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [١].
لا نسلم صيغة العموم فى قوله تعالى: وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ و لهذا يصح أن يقال كل ما دون ذلك أو بعضه، فلو كانت للعموم؛ لما حسن هذا الاستفسار.
و إن سلمنا العموم، غير أنه يجب حمله على حالة التوبة، على الصغائر و هو إن كان على خلاف الظاهر؛ غير أنه محتمل، و قد تأيد بالدليل العقلى على ما ذكرنا [٢]، و بما سيأتى من الأدلة السمعية عن قرب [٣].
سلمنا تناوله للكبيرة فى غير حالة التوبة، غير أنه لا يدل على ذلك مطلقا؛ بل مشروطا بالمشيئة لقوله تعالى لِمَنْ يَشاءُ و ذلك يتوقف على وجود المشيئة؛ فلم قلتم بوجودها فيما نحن فيه؟.
سلمنا وجوب وجود المشيئة غير أن المغفرة قد تطلق بمعنى إسقاط العقوبة، و قد تطلق بمعنى تأخير العقوبة؛ و ليس الحمل على الإسقاط أولى من التأخير، و بيان إطلاق المغفرة بمعنى: تأخير العقوبة.
[١]
سورة النساء ٤/ ١١٦.
[٢]
انظر ما سبق ل ٢٢٧/ أ و ما بعدها.
[٣]
راجع ما سيأتى ل ٢٢٨/ ب.