أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٥٦
و الثناء و المدح، و كذلك اللّوم و التّوبيخ غير مقيّدين بزمان دون زمان، بمقتضى العقل؛ بل هو دائم؛ فكذلك الموجب الآخر، و هو الثواب و العقاب [١].
و أما الحجج الخاصة بخلود الثواب: فثلاث.
الأولى: هو أن الثّواب نفع محض لا يشوبه ضرر. و بيانه من وجهين:
الأول: هو أنّ التفضّل بمنافع خالية عن الضّرر حسن فى العقل، و جائز، فلو لم يكن الثواب مجردا عن الضرر؛ لكان الفضل أحسن منه؛ و ذلك مما يبطل حسن التكليف.
الثانى: هو أنّ الله- تعالى- قد رغّب المكلّفين بتكليفهم ترك المنافع المشوبة بالاضرار إلى الثّواب، فلو كان الثّواب نفعا مشوبا بالأضرار؛ لما حسن التكليف، و التّرغيب بترك نفع إلى مثله؛ و إذا ثبت أن الثواب نفع محض لا يشوبه ضرر، فلو علم المكلفون فى دار الثّواب، تصرّم نعيمهم، و أنّ ما هم عليه من النّعيم سينقطع؛ لتنغّصت عليهم لذاتهم، و خرج الثواب عن تمحّض النفع؛ و ذلك ممتنع.
الحجة الثانية: أنّه لو كان الثواب منقطعا؛ لكان التّفضّل أحسن منه؛ لجواز دوامه، و يلزم من ذلك أن لا يكون التكليف حسنا؛ و هو محال.
الحجة الثالثة: أنّه لو كان الثواب غير دائم لم يخل: إمّا أن يعتبر فيه التقدير بالأوقات، أو لا يعتبر ذلك.
فإن كان الأول: فليس ثبوت الاستحقاق فى بعض الأوقات أولى من البعض؛ ضرورة تشابه الأوقات.
و إن كان الثانى: أمكن حصوله فى حالة واحدة؛ ضرورة عدم اعتبار الأوقات ثم يقطع عن المثاب، و ذلك مما لا يحسن الترغيب فيه بالتزام المشاق الدائمة، و ترك المنافع الدائمة بدوام أوقات الحياة فى الدنيا، و ذلك يمنع من حسن التكليف. و إذا بطل كل واحد من اللازمين؛ لزم بطلان الملزوم.
و بمثل هذه الحجة يستدل على خلود العقاب أيضا.
[١]
لتوضيح رأى المعتزلة بالإضافة لما ورد هاهنا انظر شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار
ص ٦١١ و ما بعدها، و المختصر فى أصول الدين له أيضا ص ٢٦ ضمن رسائل التوحيد و العدل.