أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٤٤
و أما الإجماع: فهو أنّ الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين على إثبات الصراط بهذا المعنى؛ فكان حجة على المخالف.
فإن قيل: خلق الصراط على ما وصفتموه من كونه أدق من الشعرة و أحد من غرار السيف مما يستحيل العبور عليه عقلا، و قد قلتم بأن عليه عبور الخلائق كلهم، فيمتنع، و بتقدير إمكان العبور عليه غير أنه يلزم من ذلك. إتعاب المؤمنين، و لا تعب عليهم يوم القيامة و لا نصب؛ إذ هو نوع من العذاب، و المؤمن غير معذب.
و عند ذلك: فنقول: لفظ الصراط و إن كان قد يرد بمعنى الإسلام، و بمعنى كتاب الله، و بمعنى طريق الجنة [١]، و بمعنى الدين القويم إلا أنه قد يطلق و يراد به/ الطريق إلى الشيء، و عند ذلك: فيجب حمل قوله تعالى «فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ» على الطريق إليها؛ لتعذر حمله على ما سواه من الاعتبارات الأخرى.
و على ذلك يجب تأويل الأخبار من السنة أيضا:
و الجواب:
قولهم: بأن ذلك مما يستحيل العبور عليه، ليس كذلك؛ فإنه غير بعيد أن يقدر الله- تعالى بعض عباده على ذلك كما أقدر بعض مخلوقاته على الطيران فى الهواء، و بعضهم على السباحة فى الماء. و غايته: أن ذلك من خوارق العادات، و غير مستبعد أن يخصص الله- تعالى- به بعض عباده، كما حققناه فى المعجزات [٢].
قولهم: فيه إتعاب المؤمنين- ممنوع. و ما المانع من إقدار الله- تعالى- لهم على ذلك من غير تعب، و لا نصب؟
و بتقدير إتعابهم فهو غير ممتنع على أصول أهل الحق، فإن ذلك مما لا يزيد فى الحرج و المشقة على ما ينال الأنبياء، و الأولياء من زفرة جهنم على ما روى فى صحيح الحديث «إن جهنم تزفر زفرة لا يبقى عندها ملك مقرب، و لا نبى مرسل إلا جثا على ركبتيه [٣]، و إليه الإشارة بقوله- تعالى-: وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [٤] و لا على ما ينالهم
[١]
من أول هنا نهاية ل ٢٢٢/ أ- ل ٢٢٤/ أ من النسخة (أ) محذوف من النسخة ب. [و بمعنى طريق
الجنة// بمقتضى العقل] هكذا فى نسخة ب منتصف ل ١٢٥/ ب.
[٢]
راجع ما مر ل ١٣٠/ أ و ما بعدها من القاعدة الخامسة.
[٣]
أورده القرطى فى التذكرة ص ٤٤١: باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت
أفئدتها. عن ميمون بن مهران قال: لما خلق الله جهنم أمرها فزفرت زفرة، فلم يبق فى السموات
السبع ملك إلا خرّ على وجهه. التذكرة ص ٤٤١.
[٤]
سورة الجاثية ٢٥/ ٢٨.