أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٠٧
و ليس ذلك إلا كما قيل من نسبة اختلاف أحوال النار فى لهبها فى الكمية و الكيفية و طول الزمان، و قصره إلى المواد التى فيها الاشتعال من الحطب، و القصب و اللطيف و الكثيف مع اتحاد جوهر النار و صورتها النوعية، و كذلك اختلاف الألوان الحادثة بسبب مطرح شعاع الشمس على ما قبلها من الزجاجات المختلفة الألوان، بسبب اختلاف الزجاجات المقابلة، و إن كان الشعاع المتصل بها واحدا فى نوعه.
و هذه الأحوال و إن كان منها ما قد يعرض للبدن بآليته للنفس، و بسبب عوارض النفس كما قيل، إلا أنها غير مستعينة فى عروض ذلك العارض لها عن البدن و مزاجه و يكون البدن معينا فى عروض ذلك العارض لها، أولا بالفعل، و يكون على حسب مزاج ذلك البدن، و حاله، حتى أنه لو كان على مزاج غير ذلك المزاج، لم يعرض لها إلا ما عرض، و تكون هى بعد ذلك متعينة، و سببا لعروض ما يعرض للبدن ثانيا.
كيف لا يكون كذلك، و اختلاف ما قيل من أحوال الأنفس للأشخاص المتعددة لا يزيد على اختلاف حال النفس الواحدة لبدن واحد، حتى أنها تكون تارة عالمة، و تارة جاهلة، و تارة قوية، و تارة ضعيفة إلى غير ذلك من الاختلافات الكائنة من الأنفس المتعددة، فلو كان ذلك يدل [١١]// على اختلاف الأنفس فى جوهريتها، و نوعيتها عند تعددها بتعدد الأشخاص؛ لدل على اختلافها بالجوهرية مع اتحاد الشخص؛ و للزم من ذلك إما اجتماع نفسين فى بدن واحد؛ و هو محال على ما تقدم [١].
أو أن يكون ما كان العارض الأول لها قد فسدت، و لم يقولوا بذلك. و إذا لم يلزم من اختلاف هذه الأحوال اختلاف جوهرية النفس مع اتحاد الشخص، لم يلزم مع تعدد الاشخاص.
و على هذا: إذا كانت على خلق عند كون بدنها على مزاج مخصوص، ثم انتقل عنه إلى مزاج آخر يضاد الأول: كالانتقال من الصحة إلى المرض، و الحرارة إلى البرودة، و الرطوبة إلى اليبوسة، و بالعكس، فقد لا يبقى خلق النفس على حالة واحدة، بل ينتقل إلى خلق/ آخر مضاد للأول، و هذا كما نشاهده من تبدل الخلق السيئ بالحسن، و البخل بالكرم، و العلم بالجهل، و بالعكس فى الكل عند اختلاف أمزجة الأبدان، و انتقالها من
[١١]//
أول ل ١١٩/ ب.
[١]
راجع ما مر ل ٢٠٥/ أ.