أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٠٢
قولهم: إن الأجسام و قواها إنما تتخلص عما يؤذيها بالهرب عنه، و الحركة المكانية بخلاف القوى العاقلة [١]؛ فهو باطل؛ فإنه إن ادعى ذلك فى كل قوة جسمانية؛ فهو عين المصادرة على المطلوب، و إن ادعى ذلك فى بعض الأجسام و قواها؛ فهو غير مفيد للمطلوب، و بهذا يبطل ما ذكروه من الشبهة الثالثة عشرة [٢].
قولهم: إن كل واحد يعلم من نفسه علما ضروريا أنه الّذي كان من حين ولادته مع علمه بتبدل أجزائه الجسمية [٣].
قلنا: أما الأول: فمسلم.
و أما الثانى: فممنوع. و ما المانع أن يقال بأن كل إنسان مشتمل على أجزاء أصلية لا يتصور عليها التبدل و التغير، من أول الحياة إلى آخرها كما سبق [٤]؟
و تلك الأجزاء جسم لطيف مشابك للبدن كما ذكره الأطباء، و القاضى أبو بكر [٥].
قولهم: القوى الجسمانية التى هى مصدر الأفعال المختلفة لا بد لها من جامع يجمعها، و يتصرف [١١]// فيها، و ذلك هو النفس. مسلم.
و لكن لا نسلم أن ذلك الجامع الحاكم لا يكون جسما، و ما المانع أن يكون جسما لطيفا فى داخل هذه الجثة، و إن لم يكن شيئا من أجزاء الجثة؟. و لا دليل لهم على إبطال ذلك [٦].
و على هذا فلا سبيل إلى القطع [٧] فى شيء مما قيل من المذاهب فى حقيقة النفس الإنسانية المدركة العاقلة، و إن كان الحق غير خارج عنها فعليك بالاجتهاد فى تعيينه، و إظهاره.
هذا ما عندى فى ذلك. لعل عند غيرى غيره.
[١]
راجع الحجة الثانية عشرة ل ٢٠٣/ ب [الرد على الشبهة الثانية عشر].
[٢]
راجع ما مر ل ٢٠٣/ ب.
[٣]
راجع الحجة الرابعة عشرة ل ٢٠٣/ ب [الرد على الشبهة الرابعة عشر].
[٤]
راجع ما مر ل ٢٠٢/ أ.
[٥]
راجع رأى الأطباء و القاضى أبى بكر ل ٢٠٢/ أ.
[١١]//
أول ل ١١٨/ ب.
[٦]
راجع ما مر ل ٢٠٣/ ب الحجة الخامسة عشرة للفلاسفة. [الرد على الشبهة الخامسة عشرة].
[٧]
بعد هذه المناقشة العميقة للآراء المختلفة فى حقيقة النفس الإنسانية المدركة العاقلة.
قرر الآمدي بأنه لا سبيل إلى القطع فى شيء منها. ثم قرر أن الحقّ غير خارج عنها، و
طلب من طلاب العلم الاجتهاد فى تعيينه و اظهاره و الاستدلال عليه بالحجج القاطعة. و
البراهين الساطعة. و لأنه من طلاب الحق؛ فلا يقلقه أن يظهر الحق على يد غيره فيقول
«هذا ما عندى فى ذلك، و لعل عند غيرى غيره» رحمه الله. آمين.