أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٩٣
و عند ذلك: فتجد من اللذة و النعيم ما لا كانت تجده حالة المقارنة للبدن. و هذا الالتذاذ لا يتقاصر عما يجده النائم من اللذة حالة منامه فإنه قد يتضاعف على ما يجده فى حالة يقظته لقلة الشواغل [١].
الحالة الرابعة: أن لا يكون قد حصل لها شيء من كمالها و هى مع ذلك منغمسة فى الرذائل، منهمكة فى الشهوات البهيمية، بحيث ترسخت فيها صورها، و اشتدت القوة النزوعية إليها، فعند مقارنة البدن، و زوال العائق تحس بما فاتها من كمالها، و تتألم بمفارقته فيحصل لها بسبب ذلك، و بسبب ما استقر من هيئات الرذائل الحادثة لها، عذاب و ألم عظيم على نحو ما يحصل للنفس الكاملة الذكية من اللذة و النعيم؛ بل أشد عذابا من هذا العذاب من كانت نفسه مع ذلك قد أكبت على اعتقادات فاسدة، و ركنت إلى نقيض الحق و جحدت الرأى الصدق، فحالها كحال من يرجح لفساد مزاجه الأشياء الكريهة، على الأشياء المستلذة.
فإذا زال عنه العائق و المانع حصل له التألم بالمستكره، و مفارقة المستلذ؛ بل أسوأ حالا من هذه الحال، حال من كان مع اشتغاله بالرذائل، قد طالع شيئا من المبادئ الموصلة إلى المعلومات النظرية، و اشتد شوقه إليها، ثم تركها، و اشتغل بما سواها من الرذائل؛ فإن تألمه بعد المفارقة يكون أشد؛ لأن الشوق إلى المعشوق فى حق من عرف مباديه، و تنبه له يكون أشد ممن لم يحصل له ذلك، و حسرته على فواته تكون أعظم.
كمن حصلت له مبادئ شهوة الجماع أو الأكل، ثم منع منه؛ فإن تألمه يكون أشد من تألمه قبل ذلك.
و لا يبعد أن تكون أيضا هذه الأنفس الجاهلة، الفاجرة، بعد المفارقة تتصل ببعض الأجرام الفلكية؛ فتتخيل به صور ما كانت تسمعه من النار و الأغلال، و غير ذلك مما كانت تتواعد به على الأفعال القبيحة؛ فيحصل لها بسببه من الألم، و العذاب ما لا يقاس به/ غيره من أنواع العذاب.
هذا كله إن كانت النفس الناطقة قد استعدت لقبول كمالها، و تهيأت له.
[١]
انظر: تهافت الفلاسفة للإمام الغزالى ثم قارن بما ورد فى غاية المرام للآمدى ص
٢٧١.