أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٩٠
رسخا [١].، و منهم من يرى أن النفس عند ابتدائها تبتدئ من أضعف الصور و أخسها، كصورة الدود، و الذباب، و تتردد إلى الأقوى و الأفضل/ حتى تنتهى إلى صورة الإنسان، و حينئذ إن سعدت بفعل ما يسعد، ارتقت فى كل دور إلى مزاج أفضل، و قوة أكمل، حتى تبلغ أقصى الكمال، و إن شقيت بفعل ما يشقى و يردى عادت إلى العكس و القهقرى و كذا لا تزال تتردد فى كل دور إلى ما فارقته، أو أفضل، أو أنقص.
ثم منهم من يرى [١١]// أن ذلك يدوم، و يتكرر دورا بعد دور، لا انقضاء لأمده، و لا انتهاء لعدده. و منهم من يرى انتهاء ذلك، و أن النفس قد يتفق لها سعادة ناقلة لها فى مرة أو مرات إلى أجلّ حالاتها، و أكمل كمالاتها؛ فينقطع تعلقها بالأبدان، و يلتحق بالمبادئ الأولى صائرة عالما عقليا، مجردة عن المواد، و علائقها؛ فلا تعود إلى التعلق بالأبدان أبدا.
[و الّذي عليه المحققون من الفلاسفة امتناع القول بالتناسخ]
و أما الّذي عليه المحققون من الفلاسفة [٢]: امتناع القول بالتناسخ، و استحالة انتقال النفس بعد مفارقة بدنها المقارن وجودها لوجوده، إلى بدن آخر، محتجين على ذلك بحجتين:
الأولى: أن وجود النفس مع وجود البدن إنما كان لشوق جبلى، و ميل طبيعى من الأنفس إلى الأبدان [للاهتمام به، و التصرف فى أحواله كما سبق.
و على هذا: فكل بدن فإنه يستحق لذاته نفسا تدبره، و تتصرف فيه، و ليس ذلك لبعض الأبدان] [٣] دون البعض؛ إذ كلها من نوع واحد، فلو قيل بتناسخ بدنين لنفس واحدة؛ لأدى ذلك إلى اجتماع نفسين فى بدن واحد، و هى النفس المستحقة له لذاته، و النفس المنتقلة إليه من غيره، و هى محال.
الحجة الثانية: أنه لو انتقلت النفس فى بدن إلى بدن آخر؛ لتذكرت ما كان لها من الأحوال حالة كونها فى البدن الآخر؛ ضرورة اتحاد النفس فيها، و الأمر بخلافه كما تقدم [٤].
[١]
الرسخ: هو الانتقال من شخص الانسان إلى جسم جماد.
[١١]//
أول ل ١١٦/ أ.
[٢]
انظر الإشارات لابن سينا ٣/ ٧٧٩ و ما بعدها و شرح الطوسى لها و انظر النجاة أيضا ص
١٨٩. ثم قارنها بما ذكر الآمدي هاهنا و فى غاية المرام ص ٢٧٨.
[٣]
ساقط من (أ).
[٤]
راجع ما مر ل ٢٠٤/ ب و ٢٠٥/ أ.