أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٩
[أدلة أهل الحق على الجواز العقلى]
احتج أهل الحق على الجواز العقلىّ بأن قالوا: قد بيّنا أنه لا معنى للنّبوّة غير قول الله- تعالى- لمن اصطفاه أرسلتك فبلّغ عنى و لا يخفى جواز ذلك عقلا. و لهذا فإنا لو فرضنا وقوع ذلك، أو عدمه لم يعرض عنه المحال لذاته. و لا معنى للجائز الا هذا.
و احتجّ القائلون بالوجوب [١] بأنه لمّا كان نوع الإنسان أشرف موجود فى عالم الكون و الفساد؛ لكونه مختصا بالنفس النّاطقة القريبة الشّبه من المبادئ الأول؛ لم يكن فى العقل بدّ من شمول لطف المبدأ الأول به و إفاضة الجود منه عليه؛ ليتمّ له المعيشة فى الدّنيا، و السّعادة الأبديّة فى الأخرى.
و لا يخفى أن كل واحد من أشخاص نوع الانسان قلّ ما يستقلّ بنفسه فى تحصيل أغراضه الدّنيويّة؛ و مقاصده الأخروية دون معين و مساعد له من نوعه.
و عند ذلك فلا بد [١١]// لهم من معاملات فيما بينهم كبيوعات، و اجارات و مناكحات إلى غير ذلك مما تتعلّق به الحاجات، و ذلك لا يتم إلا بانقياد البعض للبعض، و قل ما يحصل الانقياد من المرء لصاحبه بنفسه مع قطع النظر عن محرّمات، و مرغبات دنيوية، و أخروية، و سنن يسنون بها، و شرائع يقتدون بها، و ذلك كله إنّما يتمّ ببيان و مشرّع يخاطبهم من نوعهم وفاء بموجب عناية المبدأ الأوّل بهم.
ثم يجب أن يكون هذا الإنسان المشرّع مؤيّدا من عند الله- تعالى- بالمعجزات، و الأفعال الخارقة للعادات. التى تتقاصر عنها قوى غيره من نوعه بحيث يكون ذلك موجبا لقبول قوله، و الانقياد له فيما يسنّه، و يشرعه، و يدعوا به إلى الله- تعالى، و إلى عبادته و الانقياد لطاعته، و ما ينبه عليه من وجوب وجوده و ما يجوز عليه و ما لا يجوز و أحكام المعاد، و المعاش؛ ليتمّ لهم النّظام. و ذلك كله فالعقل يوجبه؛ لكونه حسنا، و يحرّم انتفاءه؛ لكونه قبيحا.
و
هو إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. و هو أول
من أعطى النبوة بعد آدم و شيث عليهما السلام و ذكر ابن اسحاق أنه أول من خط بالقلم.
و
قد اختلف العلماء فى مولده و نشأته فقال بعضهم إن ادريس ولد ببابل و قال آخرون إنه
ولد بمصر. و الأرجح أنه ولد ببابل. و لما أرسله الله إلى البابليين لم يتبعه إلا نفر
قليل و خالفه الجم الخفير فنوى الرحلة إلى مصر؛ و لكن ثقل على أتباعه ذلك و قالوا:
و أين نجد إذا رحلنا مثل بابل. فقال: إذا هاجرنا لله رزقنا غيره. فخرجوا إلى أرض مصر
فرأوا النيل فوقفوا عليه و سبحوا الله، و أقام ادريس و من معه يدعوا الناس إلى الله
و إلى مكارم الأخلاق.
[قصص
الأنبياء لابن كثير ص ٦٢- ٦٤، و النبوة و الأنبياء للشيخ محمد على الصابونى ص ٢٢٣،
٢٢٤. ط ٢ بمكة المكرمة سنة ١٩٨٠ م].
[١]
القائلون بوجوب البعثة هم الفلاسفة، و بعض المعتزلة كما مر.
[١١]//
أول ل ٧٢/ أ.