أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٥٢
و الإجماع من العقلاء منعقد على أن الحدوث فى النشأة الأولى جائز، و ما يثبت لأحد المثلين، أمكن إثباته للمثل الآخر.
فإن قيل: ما ذكرتموه استدلال على إبطال ما هو معلوم بالضرورة، و ذلك أنه إذا أعدم الشيء فما أبدع ثانيا، فإنّا نعلم بالضرورى أنه غير الأول، و المتغايران لا يكون أحدهما هو الأخر.
و إن سلمنا أنه غير ضرورى و لكن قولكم فى الحجة الأولى: أنّ ما عدم بعد وجوده:
إما أن يكون واجب الوجود، أو جائز الوجود، أو ممتنع الوجود. مسلم؛ و لكن لم قلتم إنه لا يكون ممتنع الوجود؟
قولكم: لو كان ممتنع الوجود، لما وجد أولا.
قلنا: ما المانع أن يكون لذاته جائز الوجود فى النشأة الأولى لذاته، و ممتنع الوجود فى طرف الإعادة؟
و لا يلزم من امتناع أحدهما عليه لذاته، امتناع الآخر، و صار كما قلتم فى جواز وجود العرض لذاته، و امتناع وجوده فى الزمن الثانى من حدوثه لذاته [١].
و قولكم فى الحجة الثانية: أن الإعادة مماثلة للنشأة الأولى. ممنوع، و لا يلزم من التماثل فى الحدوث بينهما التماثل مطلقا، و ذلك لأنّ أخص صفة الإعادة أنّها إحداث بعد نشأة لعين ما أنشأ، و أخص وصف النشأة أنها إحداث لما لم ينشأ أولا.
و على هذا: فلا يلزم من جواز أحدهما، جواز الآخر.
ثم و إن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز الإعادة، غير أنه معارض بما يدل على امتناعها، و بيانه من أربعة أوجه:-
الأول: هو أن الحكم على ما عدم بكونه جائز الإعادة؛ حكم بإثبات صفة للمعدوم.
و عند ذلك فلا يخلو: إما أن يكون المعدوم فى حال عدمه ثابتا، أو لا يكون ثابتا.
[١]
قارن بما ورد فى شرح المقاصد ٢/ ١٥٣.