أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٩
كما أنه يمتنع على أحد ممن ينشد قصيدة أن يجرى على لسانه فى أثنائها بيت مطابق لوزن القصيدة، و لمعنى ما تقدم منها و هو ساه فيه.
و عند ذلك: فيحتمل أن يكون النبي- صلى اللّه عليه و سلم- قد قرأ تلك السورة و إن كان فى الصلاة/ و المشركون حوله من قريش فلما انتهى إلى قوله- تعالى- وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [١] و علم من قرب منه منهم أنه سيورد بعد ذلك ما يسؤهم فى آلهتهم، فقال كالمعارض له «فإنهن عند الله من الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى» و ظن السامعون لذلك، أنه جرى على لسان النبي- صلى اللّه عليه و سلم- لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته- عليه الصلاة و السلام- طلبا لتغليطه، و هو المراد من قوله- تعالى- إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٢] أى ألقى فى قلوب الناس التخويف لتلاوته، و إضافة ما ليس منها إليها.
و إن سلمنا أن ذلك مما جرى على لسانه، إلا أن المراد من قوله: «تلك الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى: الملائكة. و قد كان ذلك قرآنا، غير أنه لما توهم المشركون أن المراد به آلهتهم؛ نسخت تلاوته.
و إن سلمنا أن المراد به اللات و العزى، و أنه لم يكن قرآنا غير أنه قد قيل أنه- عليه الصلاة و السلام- كان إذا قرأ القرآن على قريش توقف فى فصول الآيات و آتى بكلام آخر على سبيل الاحتجاج عليهم، فلما تلى أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى* وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال عليه الصلاة و السلام- «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» مستفهما على سبيل الإنكار عليهم مع حذف الاستفهام؛ فإنه جائز على ما سبق، و لا يمتنع أن يكون ذلك فى الصلاة؛ لأن الكلام، فى الصلاة كان جائزا، و نسخ بعد ذلك. هذا كله إن كان المراد من قوله تمنى التلاوة.
و إن كان المراد به الفكرة، و تمنى القلب، كان معنى قوله أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: أنه يوسوس إليه عند تمنيه بالباطل و يحدثه بالمعاصي، و قوله- تعالى- فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أى أنه يبطل ذلك، و يذهبه عن قلبه بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان، و ذلك لا يدل على تحقق المعصية من النبي- صلى اللّه عليه و سلم:
[١]
سورة النجم ٥٣/ ٢٠.
[٢]
سورة الحج ٢٢/ ٥٢.