أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٥
قلنا: ليس ذلك بطريق العقوبة لها؛ بل ليتصدق بلحمها على الفقراء، و المساكين؛ لتكون كفارة عن تفريطه، و يكون تخصيصه لها بذلك؛ لكونها سبب شغله عن العبادة، و لكونها كانت أحب ما له إليه مبالغة فى القربة إلى الله- تعالى- على ما قال- تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [١].
الحجة السابعة عشرة:
قوله- تعالى- حكاية عن يونس [٢]- عليه السلام-:
وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [٣].
و وجه الاحتجاج به: أنه وصف نفسه بأنه كان من الظالمين، فلا يخلو: إما أن يكون صادقا فيه، أو كاذبا.
[١]
سورة آل عمران ٣/ ٩٢.
[٢]
يونس عليه السلام: يونس بن متى و يسمى عند أهل الكتاب (يونان بن أمتاى) و هو عليه السلام
من بنى إسرائيل و يتصل نسبه ببنيامين أحد أولاد يعقوب عليه السلام و هو شقيق يوسف عليه
السلام.
أرسله
الله تعالى- إلى أهل (نينوى) بالعراق، و كانوا يعبدون الأصنام و لهم صنم يسمونه (عشتار)
فتراك الشام و ذهب إليهم فى نينوى يدعوهم إلى عبادة الله وحده؛ فكذبوه و استمروا على
غيهم فلما يئس منهم خرج من بينهم قال تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ الآية فخرج من بينهم قبل أن يأمره الله- تعالى
بالخروج- و هذا الخروج معصية تتنافى مع العصمة، فهو بخروجه و استعجاله قد فعل ما يستحق
عليه اللوم و التأديب الربانى. قال تعالى: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ*
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ* فَالْتَقَمَهُ
الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ* فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ
فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ*
وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ* وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ
أَوْ يَزِيدُونَ* فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. سورة الصافات ٣٧/ ١٣٩-
١٤٨.
و
قد ذكر يونس عليه السلام فى القرآن أربع مرات باسمه فى سورة يونس- التى سميت باسمه-
و سورة النساء، و الأنعام، و الصافات.
و
ذكر بالوصف فى موضعين حيث لقبه الله (بذى النون): أى الحوت فى سورة الأنبياء فى قوله-
تعالى-: وَ ذَا النُّونِ. و بلفظ صاحب الحوت فى سورة القلم فى قوله تعالى: فَاصْبِرْ
لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ.
و
كان عدد من آمن بيونس مائة و عشرون ألفا على رواية ابن عباس رضى اللّه عنه.
[قصص
الأنبياء لابن كثير ص ٢٨٦- ٢٩٦، و النبوة و الأنبياء ص ٣٠٢- ٣٠٥].
[٣]
سورة الأنبياء ٢١/ ٨٧ و لمزيد من البحث و الدراسة بالإضافة لما أورده الآمدي هاهنا:
انظر تفسير الكشاف للزمخشرى ٢/ ٥٨١، ٥٨٢. و تفسير الرازى ٢٢/ ٢١٢- ٢١٧، و تفسير القرطبى
٦/ ٤٣٦٩- ٤٣٧٥.
و
مختصر تفسير ابن كثير ٢/ ٥١٨، ٥١٩.
و
شرح المواقف للجرجانى ص ١٥٢، و شرح المقاصد للتفتازانى ٣/ ٣١٥.