أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٣
الثانى: أن قوله: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ. إما أن يحمل المسح على أنه مسح أعرافها، و أطرافها بيده محبة لها كما ذهب إليه مجاهد، و إما أن يحمل على أنه عرفها و مسح أعناقها، و سوقها بالسيف كما قاله قوم آخرون.
فإن كان الأول: دل على أن عرضها لم يكن سببا لمعصية أصلا، و إلا كان مسحه لها و رأفته بها و أمره بعودها لذلك غير ملائم؛ لكونها سببا للمعصية.
و إن كان الثانى: فهو ممتنع لوجهين:
الأول: ما قاله أبو مسلم من أنه لم يجر للسيف ذكر حتى يمكن إضافة المسح إليه و لأن العرب لا تسمى الضرب بالسيف مسحا.
الثانى: أنه يمتنع على نبى من أنبياء الله- تعالى- أن يعاقب الخيل؛ لأنها شغلته عن الطاعة.
و الجواب:
قولهم: لا نسلم إمكان عود الضمير فى قوله- تعالى- تَوارَتْ بِالْحِجابِ إلى الشمس؛ إذ هى غير مذكورة.
قلنا: و إن لم يكن مصرحا بذكرها، ففى الكلام ما يدل عليها، و هو قوله إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ: أى بعد زوال الشمس، و الضمير كما يمكن عوده إلى المذكور؛ فيمكن عوده إلى ما فى الكلام دلالة عليه، كيف و إن ما ذكرناه مما اتفق عليه جميع الرواة الثقات من أهل التفسير؛ فلا يكون معارضا بقول واحد لا يؤبه له.
قولهم: عود الضمير إلى الخيل أولى؛ لما ذكروه من الوجهين.
قلنا: الترجيح بما يعود إلى الدلالات اللفظية، لا يقع فى مقابلة النقل.
و لهذا فإنه لو كان اللفظ حقيقة فى معنى، و مجازا فى معنى، و نقل الناقل عن المتكلم بذلك اللفظ إرادة جهة المجاز، فإنه يقدم على ما يقتضيه اللفظ من الحقيقة.
و قد بينا أن نقل الرواة المعتبرين من المفسرين مساعدا لما ذكرناه، دون ما تفرد به أبو مسلم؛ فكان أولى.