أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨٧
نفسه، لو قمت و أخذت هذا الطائر، فأريته للناس كان آية، فقام إليه؛ فجعل يطير إلى أن وقع فى الكوة؛ فأهوى إليه فى الكوة. فإذا بامرأة تغتسل؛ فلما رآها نسى صلاته، و قراءته. و جعل يطيل النظر إليها. فلما رأته تورات منه بشعرها؛ فزاده ذلك إعجابا بها.
و نظره إليها مع الإطالة معصية لا محالة.
ثم إنه عرض لها فى نفسه. فقالت له: زوجى غائب، و أنت الملك، و النبي، و ما أدرى ما أقول لك. و كانت امرأة أوريا [١] بن حنان فاستدعاه من غيبته. ثم إنه قدمه على بعض الجيوش؛ لمنازلة بعض الحصون؛ بقصد قتله، فرمى من الحصن بحجر؛ فقتله فتزوج بامرأته. و لا يخفى أن قصده لذلك معصية. فأرسل الله- تعالى له ملكين فى صورة خصمين؛ ليبكتاه على خطيئته، و ذلك قوله- تعالى-:
وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إلى قوله لقد ظَلَمَكَ بِسُؤالِ/ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ.
و قد قيل: إنه أخطأ أيضا فى المبادرة إلى قوله لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ، قبل سماع كلام الخصم الآخر.
ثم إنه لما قضى بينهما، نظر أحدهما إلى الآخر و ضحك، ثم صعدا إلى السماء، و هو يراهما؛ فعلم داود ذنبه، و ما صنع؛ فخر ساجدا يبكى، و يتضرع إلى أن نبت الشجر حول رأسه من دموعه، و لم يرفع رأسه حتى جاءه ملك، فأمره برفع رأسه، و قال له: إن الله- تعالى- قد غفر لك ذنبك، و ذلك قوله- تعالى- وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ [٢].
[١]
امرأة أوريا بن حنان اسمها سابغ، و سنرى فيما يلى أن بنى إسرائيل يصورون اتصال داود
عليه السلام- بسابغ فى صورة الزنا. و لكن الإسلام الّذي يسمو بالأنبياء صور المسألة
فى صورة تبعدها عن الكبائر، و لم يرها إلا هفوة استحقت العتاب من الله لنبيه و مصطفاه،
و بعد الاستغفار و الركوع غفر الله له و قال سبحانه و تعالى: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ
وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ.
أما
ما ورد فى كتاب اليهود المقدس فيصورها فى صورة موغلة فى القسوة، و بعيدة عن العفة
(انظر: صموئيل الثانى: الاصحاح الحادى عشر ص ٤٩٨، ٤٩٩. الكتاب المقدس ج ١- دار الكتاب
المقدس فى الشرق الأوسط- و انظر شرح المواقف السادس د. أحمد المهدى ص ١٤٦- ١٤٨. ففيه
رد على ما قاله اليهود و من تأثر بآرائهم من المفسرين.
[٢]
سورة ص ٣٨/ ٢٤، ٢٥.