أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨٦
الحجة الخامسة عشرة:
قوله- تعالى- فى قصة داود [١]- عليه السلام-:
وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إلى قوله وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ [٢].
و وجه الاحتجاج من ذلك: أن المفسرين بأجمعهم رووا أن داود كان يوما فى محرابه؛ فرأى قرينيه، فراعه ذلك، فقال: من أنتما، فقالا له: نحن قريناك اللذان يحفظانك من أن تعصى، أو تخطىء، فقال لهما فخليانى: و جربا؛ ففعلا.
فقال أما اليوم فلا يدخل على أحد، و لا أخرج إلى أحد، و لا أبرح أصلي، و أقرأ إلى الليل. فبينما هو كذلك إذ نظر إلى كوة؛ فرأى طائرا أحسن شيء يكون بعضه ذهبا، و بعضه من ياقوت؛ فأعجبه، ثم أعرض عنه؛ فوقع الطائر فى البيت. فقال داود فى
[١]
داود عليه السلام: هو نبى الله (داود بن ايشا بن عويد ... من نسل يهوذا بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، و قد ذكر نسبه فى التوراة و الإنجيل مفصلا. و هو عليه
السلام- أحد الرسل الذين نزلت عليهم الكتب السماوية بعد موسى عليه السلام، و أعطاه
الله الزبور كما قال تعالى: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
و
قد ورد اسم داود عليه السلام- فى القرآن الكريم فى ستة عشر موضعا فى [البقرة، و النساء،
و المائدة، و الأنعام، و الإسراء، و الأنبياء، و النمل، و سبأ، و سورة ص] و قد جمع
الله- تعالى- له بين النبوة و الملك؛ فكان نبيا ملكا كما كان ولده سليمان عليه السلام.
و
خصه بمزايا منها تسخير الجبال للتسبيح إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ
بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ
و
منها: إلانة الحديد له: وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ و منها: صناعة الدروع لدرء خطر
الحرب وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ. و منها:
تقوية ملكه وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ.
و
منها: آتاه الله الحكمة و فصل الخطاب وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ.
و
مع كل هذا المزايا الفريدة و الصفات الجليلة نرى اليهود فى كتبهم المصنوعة المحرفة
يصورونه عليه السلام بصورة غير لائقة بالبشر العادى فضلا عن الرسول الكريم فهو يأخذ
امرأة أوريا لنفسه من غير حياء و يرسل زوجها إلى الصف الأول فى ميدان القتال ليتخلص
منه. أحداث موغلة فى القسوة و بعيدة عن العفة (انظر الكتاب المقدس صموئيل الثانى: الاصحاح
الحادى عشر، و الاصحاح الثالث عشر).
بينما
يصور القرآن الكريم هذه المسألة بصورة تبعد الأنبياء عن الكبائر، و لم يرها إلا هفوة
استحقت نوعا من العتاب و التعليم من الله لنبيه و مصطفاه. كما ورد فى الآية التالية
من سورة (ص).
و
من الغريب أن بعض علماء المسلمين وقعوا فى خطأ عظيم بذكر هذه الإسرائيليات فى مصنفاتهم
على أنها من قصص القرآن الكريم.
و
قد عاش داود عليه السلام سبعا و سبعين سنة ثم توفاه الله و أوصى بالملك من بعده لابنه
سليمان عليه السلام.
[قصص
الأنبياء لابن كثير ص ٤٨٠- ٤٩٤. و النبوة و الأنبياء للصابونى ص ٢٧٣- ٢٨١. و اليهودية
للدكتور أحمد شلبى ص ١٤٥، ١٤٦، ص ١٧٢- ١٧٥].
[٢]
سورة ص ٣٨/ ٢١- ٢٤. و لمزيد من البحث و الدراسة بالإضافة لما أورده الآمدي. انظر: تفسير
الكشاف للزمخشرى ٣/ ٣٦٥- ٣٧١.
و
تفسير الرازى ٢٦/ ١٨٨- ١٩٨. و تفسير القرطبى ٨/ ٥٦٠٨- ٥٦٣١.
و
مختصر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٠٠، ٢٠١.
و
شرح المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ١٤٦- ١٤٨.
و
شرح المقاصد للتفتازانى ٣/ ٣١٣، ٣١٤.