أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨٤
قولهم: فى الوجه الثانى من التفصيل: أنه من المحتمل أنّ الله تعالى كان قد عرّف موسى استحقاق القبطى القتل. باطل بما بيناه من أن موسى فى ذلك الوقت لم يكن قد أوحى إليه بعد، و لا كان رسولا، و على هذا؛ فقد بطل ما فرعوه من تخريج الإلزامات على ترك المندوب من تأخير قتل القبطى.
الحجة الرابعة عشرة:
قوله- تعالى- حكاية عن موسى- عليه السلام-:
وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [١].
و وجه الاحتجاج به: أنه لا يخلو:
إمّا أن يكون قد صدر من هارون ذنب يستحق به إيقاع ذلك الفعل به، أو أنه لم يصدر منه ذلك.
فإن كان الأول: فقد أذنب هارون.
و إن كان الثانى: فموسى يكون مذنبا بإيذائه لهارون، و أيهما قدر فهو نبىّ.
فإن قيل: إنما يلزم ما ذكرتموه أن لو كان أخذ موسى برأس هارون على طريق الغضب، و الضرب له. و ليس كذلك؛ بل إنما كان أخذه برأس أخيه، و جره إليه؛ لأنه رآه على جزع عظيم، لما رأى من قومه من عبادة العجل على سبيل التوجع له، و التسكين لقلقه: كما يفعل الواحد منا عند ما يريد إصلاح غضبان. و تسكين من أصابته مصيبه.
و يحتمل أن موسى لما غلب عليه من الحزن، و استيلاء الفكر لما أحدثه قومه من بعده، أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه. لا على طريق الإيذاء له؛ بل كما يفعل الإنسان بنفسه عند حدوث مصيبه من عض يده، و شفته، و قبضه على لحيته؛ و أجرى موسى لهارون فى ذلك مجرى نفسه؛ لأنه كان أخاه، و شريكه فيما يناله من خير و شرّ، و بتقدير
[١]
سورة الأعراف ٧/ ١٥٠ و لمزيد من البحث و الدراسة راجع ما يلى:
تفسير
الكشاف للزمخشرى ٢/ ١١٩، و تفسير الرازى ١٥/ ١٣، ١٤، و تفسير القرطبى ٤/ ٢٧٢٤-
٢٧٢٦، و مختصر تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢.
و
شرح المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ١٤٥.