أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨٣
و إن سلمنا أنه قصد قتله: غير أنه [١١]// من الجائز أن الله- تعالى- كان قد عرّف موسى استحقاق ذلك القبطى للقتل بكفره، و ندبه إلى تأخيره إلى حالة التمكن، فلمّا رأى موسى- عليه السلام- منه الإقدام على رجل من شيعته تعمّد قتله و ترك المندوب و تعمد قتل من يجوز له قتله ليس بمعصية. و ترك المندوب ليس بمعصية.
و على هذا فندمه كان على ترك ما ندب إليه، و هو المراد من قوله: ظَلَمْتُ نَفْسِي [١]. و قوله: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [٢]. و قوله: فَاغْفِرْ لِي [٣]. فالمراد منه قبول الاستغفار، و هو الثواب عليه.
و الجواب عن الإجمال:
ما المانع أن يكون القتل الصادر منه عمدا من غير استحقاق.
قولهم: إنّه كبيرة.
قلنا: نحن و إن وافقناكم على امتناع صدور الكبيرة من النّبيّ حال نبوته؛ فلا نسلم امتناع صدورها من قبل نبوته، و موسى حالة قتل القبطى لم يكن نبيا، بدليل قوله- تعالى- حكاية عن قول فرعون لموسى لما أرسل إليه: أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ- يعنى قتل القبطى- وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ- أى الجاحدين لنعمتى- فقال/ موسى فَعَلْتُها- يعنى قتل القبطى وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ- أى الجاهلين-، و النبي لا يكون جاهلا، ثم قال: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [٤]. فدل على أنه لم يكن حالة قتل القبطى نبيا.
و إن سلمنا امتناع صدور الكبيرة من الأنبياء مطلقا، و أن القتل الصادر منه كان خطأ؛ فلا يلزم من ذلك امتناع صدور الصغيرة منه حالة قتله إما نفس الوكزة، أو ما لازمها، و يدل عليه ما ذكرناه من ندمه، و قوله: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [٥]. و قوله: ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [٦]. و على هذا: فقد اندفع ما ذكروه من الوجه الأول فى التفصيل.
[١١]//
أول ل ٩٨/ ب.
[١]
جزء من الآية رقم ١٦ من سورة القصص.
[٢]
جزء من الآية رقم ١٥ من سورة القصص.
[٣]
جزء من الآية رقم ١٦ من سورة القصص.
[٤]
سورة الشعراء ٢٦/ ١٨- ٢١.
[٥]
سورة القصص ٢٨/ ١٥.
[٦]
سورة القصص ٢٨/ ١٦.