أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٧٧
و وجه التجوّز: أنه لمّا كان خطور الشيء بالبال قد يفضى إلى العزم عليه فى الأكثر سمّى باسم ما يؤول إليه: كما فى قوله- تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [١] و نحوه، و إذا ثبت أنه حقيقة فى العزم، مجاز فى غيره؛ فيمتنع ترك الحقيقة من غير دليل.
و على هذا يكون الجواب عما ذكروه من الاحتمال الثانى و الثالث.
قولهم: سلمنا أن الهمّ عبارة عن العزم، غير أنّ المعزوم عليه غير معين، فأمكن حمله على دفعها، أو ضربها؛ فهو ممتنع لوجوه أربعة:
الأول: أنه لو أراد به العزم على غير المعصية مما يكون دافعا للمعصية لم يكن فى قوله- تعالى- لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [٢] فائدة. إذ البرهان لا يكون صارفا عنه، و كل ما يقال فى ذلك من الاحتمالات؛ فبعيدة عن مذاق العقول؛ فلا يمكن الحمل عليه.
الثانى: هو أن الكلام فى قوله- تعالى- وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها خرج مخرجا واحدا، و ذلك مشعر باتحاد المفهوم منها نظرا إلى سياق الكلام.
و الهمّ فى حقهما محمول على العزم على الزنا؛ فكذلك فى حقه. و لا يصار إلى خلاف ما يظهر من اللفظ إلا لدليل؛ و لا دليل.
الثالث: هو أن لفظ الهمّ بالمرأة ظاهر يعرف الاستعمال فى الوطء، لا فى غيره من الأفعال، و لهذا فإنه لو قال القائل: همّ فلان بفلانة؛ فإنه لا يتبادر إلى/ الفهم منه غير الاهتمام بوطئها.
الرابع: قال ابن عباس [٣] فى معنى قوله وَ هَمَّ بِها أنه حلّ هميان سراويله و جلس منها مجلس الخائن، و قال مجاهد [٤] «أما همّها به أنها استلقت له. و أمّا همّه بها: أنه قعد بين رجليها، و نزع ثيابه.
[١]
سورة الزمر ٣٩/ ٣٠.
[٢]
سورة يوسف ١٢/ ٢٤.
[٣]
سبقت ترجمته فى هامش ل ١٤٩/ ب.
[٤]
مجاهد بن جبر: أبو الحجاج المكى، مولى بنى مخزوم. مفسر، تابعى من أهل مكة قال عنه الذهبى:
شيخ القراء و المفسرين. أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل
آية يسأله: فيم نزلت و كيف كانت؟ ولد سنة ٢١ ه و توفى سنة ١٠٤ ه [صفة الصفوة لابن الجوزى
١/ ٣٩٣- ٣٩٥ و ميزان الاعتدال ٣/ ٩].