أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٤٧
[العصمة عن الصغائر]
و بالجملة: فالكلام فيما ليس بكبيرة. و لا هو نازل منزلة الكبيرة نفيا و إثباتا غير بالغ مبلغ القطع؛ بل هو من باب الظنون، و الاجتهادات. و الاعتماد فيه إنما هو على ما يساعد من الأدلة الظنية. و الكلام فى طرفين: الأول فى جواز ذلك بطريق النسيان، و الثانى فى بيان جوازه بطريق العمد.
الطرف الأول: فى بيان جواز النسيان على الأنبياء- عليهم السلام.
أما من جهة العقل: فلأنا لو فرضنا وقوعه منهم. لم يلزم عنه المحال لذاته. و أنه لا فرق بين النبي و غيره، إلا فى قيام المعجزة الدالة على صدقه فى دعواه الرسالة، و ما فرض الكلام فيه؛ فلا دلالة للمعجز على عصمته؛ فكان صدوره عنه كصدوره عن غيره.
و أما من جهة السمع: فما اشتهر عنه- عليه السلام- من نسيانه فى الصلاة، و تحلله عن ركعتين فى الرباعية/ فى قصة ذى اليدين و قول ذى اليدين له أ سهوت يا رسول الله أم قصرت الصلاة؟ فقال النبي- عليه السلام- أ حقا ما يقول ذو اليدين، قالوا: نعم يا رسول الله [١].
و أيضا ما اشتهر عنه- عليه السلام- و هو يقرأ فى الصلاة وَ النَّجْمِ إِذا هَوى [٢] أنه قال:
«إنهن عند الله من الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى» و لم يكن ذلك إلا عن غفلة و نسيان، لاستحالة كلمة الكفر فى حقه.
و يدل عليه من الكتاب قوله- تعالى وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [٣] و قوله- عليه السلام-: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى» [٤].
[١]
ورد فى موطأ الإمام مالك: ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا:
عن
أبى هريرة رضي اللّه عنه أن رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- انصرف من اثنتين فقال
له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله- صلى اللّه عليه
و سلم- أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس نعم؛ فقام رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- فصلى
ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر؛ فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده،
أو أطول، ثم رفع.
[موطأ
الإمام مالك ١/ ٨٧، ٨٨].
[٢]
سورة النجم ٥٣/ ١.
[٣]
سورة الكهف ١٨/ ٢٤.
[٤]
أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه. كتاب الصلاة- باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/
٦٠٠ حديث رقم ٤٠١ عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه [فتح البارى بشرح صحيح البخارى
ط دار الريان بمصر].
كما
أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه: كتاب المساجد- باب السهو فى الصلاة و السجود له ١/
٤٠٠ عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه ط. عيسى الحلبى. ت: محمد فؤاد عبد الباقى.
و
أخرجه الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين- الركن الثالث فى دوام
التوبة ٨/ ٥٩٢ و عزاه إلى مالك فى الموطأ بلاغا دون سند. ط: دار إحياء التراث العربى-
بيروت. لبنان.