أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٣٦
قولهم: إن العرب كما دعوا إلى النّظر فى معجزاته؛ فقد دعوا إلى النظر فى آيات الوحدانيّة و غير ذلك، و لم يدل تركهم النظر فى دلائل الوحدانية على العجز عن معرفتها، و النظر فيها؛ فكذلك المعجزة.
قلنا: طرد هذا القياس، و التسوية بين البابين ممتنع، إذ العادة على ما حققناه فى باب التحدى الابتدار إلى المعارضة مع القدرة عليها، بخلاف المسائل العقلية، و الأمور النظرية؛ فإن العادة غير جارية بالتوافق على الحق فيها؛ بل العادة جارية بالاختلاف، و مخالفة الحق بناء على شبهة، أو تقليد.
و عند ذلك: فلا يلزم من القول بعدم التعجيز فيما يمكن تركه على وفق العادة، القول بعدم التعجيز فيما تركه على خلاف العادة.
قولهم: لم يعلموا وجه التحدى هل هو بالبلاغة، أو النظم، أو غيره، ليس كذلك، فإن النبي- صلى الله عليه و سلم- تحدى عليهم بالقرآن، و تعجيزهم عن الإتيان بمثله، فإذا كان القرآن مشتملا على صفات فالمماثل لا بد و أن يكون على صفات الممثل؛ و إلا فلا مماثلة.
و لهذا فإن من تحدى بقصيدة من الشعر، و عجز الناس عن الاتيان بمثلها، و كانت مشتملة على البلاغة و النظم الخاص فمن عارضه بخطبة أو رسالة و إن كانت مساوية لقصيدته فى البلاغة، لا تكون مماثلة لها و لا معارضة، و كذلك لو عارضه بقصيدة مساوية لنظمها غير مساوية لبلاغتها. و يدل على ذلك أن النبي- صلى الله عليه و سلم- أطلق التحدى بالقرآن، و التعجيز عن الإتيان بمثله مع عدم استفهام العرب عن وجه التحدى، و لو كان وجه التحدى غير معلوم للعرب؛ لكونه محتملا مترددا؛ لبينه النبي، و لاستفهمت منه العرب مع طول المدة، و تقريعهم بالعجز.
قولهم: إنما لم يعارضوه فى ابتداء الأمر لضعفه، و فى انتهائه خوفا منه، و من أصحابه.
قلنا: أما عدم المعارضة فى ابتداء أمره لضعفه؛ فقد سبق الجواب عنه.
و أما عدم معارضته بعد قوته، و ظهور شوكته؛ فباطل أيضا لأنه لو أمكن وجود المعارضة لوقعت بالنظر إلى العادة و مقتضى الطباع، و لو وقعت لنقلت، و اشتهرت فى غير