أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٣٥
الثانى: هو أن الحرب مع ما تشتمل عليه من مقاسات الشدائد، و ممارسة الأهوال، و بذل المهج و الأموال، و احتمال الخطر، و عدم الظفر غير مبطلة لحجته، و الآية الدالة على صدقه فى دعوته، و اجتماع الناس على كلمته، و اعتقادهم صدق مقالته، بخلاف معارضة كلام بكلام و لا سيما فى حق بلغاء العرب الذين صفت قرائحهم، و تدفقت ينابيع بلاغتهم؛ فلا يتصور فى حقهم العدول فى تحصيل غرضهم، و دفع الضرر عنهم من المعارضة بالكلام مع القدرة عليه، إلى ما هو أشدّ منه، و أقلّ افضاء إلى تحصيل مقصودهم. كيف و هو على خلاف المألوف [١١]// المعروف من عادة العقلاء، و أهل العرف فى العدول عن معارضة من تحدّى بأمر إلى مقابلته، و مخاصمته.
قولهم: يحتمل أن يكون عدولهم عن المعارضة خوفا من استرابة بعض الناس فى الاعجاز، عنه جوابان:-
الأول: أن مراتب البلاغة معلومة لأرباب الألباب مضبوطة عند ذوى الآداب، و المقصود من المعارضة ليس إلا تحقق المماثلة عند صدور أهل الأدب، و بلغاء العرب، لا عند الهمج الرعاع، و من هو معدود من الحثالة و الأتباع، فلو كانوا قادرين على المعارضة؛ لأتوا بها نظرا إلي حصول هذا المقصود بالنسبة إلى بلغاء العرب. إذ هو غاية المطلوب من المعارضة، و ما كلّفوا به. و سواء حصل اللبس عند من لا يؤبه له، أم لا.
كيف و أن أطراف الناس، و من لا حظ له من المعرفة تبع لأشرافهم فإذا رأوا تصميم الأشراف على الحكم بالمماثلة، كانوا تبعا لهم فى ذلك؛ فلا يحصل لهم الاسترابة فى تفضيل القرآن.
الثانى: أن العادة جارية فى مثل هذه الأمور بالمبادرة إلى المعارضة على ما قررناه، و بتقدير الإتيان/ بالمعارضة غايته وقوع الاسترابة لبعض الناس فى تفضيل القرآن دون البعض، و بتقدير أن لا يعارض فعجزهم يكون ظاهرا بالنسبة إلى كل أحد نظرا إلى مقتضى العادة و العاقل لا يهرب من أدنى المحذورين، و يقع فى أعلاهما.
[١١]//
أول ل ٩١/ أ.