أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٣٤
قلنا: لو لم يعجزوا لأتوا بالمعارضة لما سبق تحقيقه.
قولهم: من الجائز أن يكون اظهارهم للعجز لما كانوا يبتغوه من الملك، و الاستيلاء، سبق جوابه أيضا فى الأصل الثالث.
قولهم: يحتمل أنهم تركوا معارضته لعدم اكتراثهم به و ظنهم أن ذلك أبلغ فى إبطال دعوته؛ ليس كذلك.
فإنه- عليه السلام- ما زال يقرعهم بالغى، و النسبة إلى العجز عن مثل ما أتى به فيما ذكرناه من آيات التحدى مع أن العرب قد كانت فى محافلها تتفاخر بمعارضة الشعر و تتفاضل فى مجالسها بمقابلة النثر، و لا محالة أن القرآن فى نظر من له ذوق من العربية و نصاب من الأمور الأدبية، لا يتقاصر عن فصيح أقوال العرب، و بديع فصولهم فى النظم و النثر و الخطب، فكيف يخطر بعقل عاقل، أو توهم متوهم أن العرب مع رزانة عقولهم و معرفتهم أنهم تركوا معارضة القرآن، لعدم الاحتفال به، و اهماله و سواء كان الآتى به نبيها بينهم، أو خاملا.
كيف و أن النبي- صلى الله عليه و سلم- لم يزل قبل ظهور كلمته، و انتشار دعوته معظّما مبجّلا بينهم، معروفا بالصّدق، و العفاف، و التصوّن عن الرذائل حتّى أنّهم كانوا يسمّونه الأمين، و لا سيما و قد كان من أصل أصيل و عنصر أثيل، و فى كل وقت أمره يزيد، و شأنه يعظم، و من هذا شأنه، فلا يخطر فى العقول ترك معارضته؛ لعدم/ الاحتفال به.
قولهم: يحتمل أنهم ظنوا أن دفعهم له بالقتال أقضى إلى مطلوبهم، ليس كذلك لوجهين:
الأول: أنا قد بيّنا أن كل من تحدى بأمر يروم به التميّز على أقرانه، و أبناء زمانه، أنّ العادة تحيل أن لا يعارض بمثل ما أتى به بتقدير أن يكون ذلك مقدورا حتى إنّ مثل ذلك جار بين الصبيان فى ملاعبها، و أرباب الحرف فى حرفها، فما ظنك بمن يدعى أمرا عظيما، و خطبا جسيما، يروم به انقلاب الدول، و تبدل الملل، و الاحتواء على الممالك، و جر الناس بمخالفته إلى المهالك، و بموافقته إلى ذلة النفس و الاحتكام على الخاص و العام، و فى معارضته بمثل ما جاء به دفع هذه المضار، و درء هذه الأخطار.