أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٢٥
قولهم: إنّه لا ضابط للكثرة الغير معتادة، ممنوع، فإنّ ضابطها ما يعدّه أهل العرف كثيرا، و لا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب فى القرآن مما يعد فى نظر أهل العرف كثرة لا يعتاد الإصابة فيها لجملتها.
قولهم فى الثانى: أنه يلزم من ذلك أن تكون أخبار المنجمين و الكهنة عن الغيوب مع كثرة إصابتهم معجزا.
قلنا: أما أخبار المنجمين فما كان منها كاذبا مضطربا. فلا احتجاج به، و ما كان منها ما تكرر الإصابة فيه: كالحكم بالخسوف و الكسوف و غير ذلك فهو من باب الحساب المعتاد لآحاد من يتعاطى حساب صناعة التنجيم فى كل عصر و مصر. و لا كذلك ما ذكرناه من اخبار القرآن عن الغيوب.
و أما أخبار الكهنة عن الغيوب: فالقول فيها كما فى السحر، و قد عرف ما فيه فى الأصل الثالث [١].
قولهم فى الوجه الثالث: يلزم من ذلك أن يكون ما فى التوراة [٢] و الإنجيل [٣] من الأخبار عن الغيب معجزا إذا كان ذلك كثيرا خارقا للعادة، و وقع التحدى به؛ فهو أيضا آية صدق من أتى به.
قولهم: يلزم من ذلك أن لا يكون ما خلا من سور القرآن عن الاخبار بالغيب معجزا دالا على صدق الرسول.
قلنا: من قال من المتكلمين إن جهة الإعجاز فى القرآن الإخبار بالغيب دون ما عداه، فما لا يكون مشتملا عليه من سور القرآن نقول أنه ليس بمعجز.
قولهم: على من قال بأن وجه الإعجاز فى القرآن إنّما هو عدم تناقضه، و اختلافه، مع طوله، و امتداده أن القرآن مشتمل على التناقض ممنوع. و قوله- تعالى:- وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [٤] لا نسلم مناقضته. و ما ذكروه من اشتمال القرآن على الشعر؛ فقد سبق جوابه [٥].
[١]
راجع ما مر ل ١٣٦/ ب و ما بعدها.
[٢]
التوراة: الكتاب الّذي أنزل على موسى عليه السلام.
[٣]
الإنجيل: الكتاب الّذي أنزل على عيسى عليه السلام.
[٤]
سورة يس: ٣٦/ ٦٩.
[٥]
راجع ما مر ل ١٦١/ أ و ما بعدها.