أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١١١
سلمنا عجزهم عن المعارضة للقرآن بمثله؛ و لكن لا نسلم دلالته على صدقه؛ لأنا إذا فرضنا شخصا حفظه، و مضى به إلى بلد لم تبلغهم الدعوة، و لم يسمعوا بمثله، و لا بمن ورد على يده. فادّعى النّبوّة، و تحدّى به عليهم.
فإما أن يوجب بذلك التّصديق، أو لا يوجبه.
فإن أوجبنا التّصديق فهو معلوم كذبه.
و إن لم نوجب التصديق مع ما ظهر لهم على يده من الخارق أفضى ذلك إلي إفحام الرسول الّذي لم يظهر ذلك إلا على يده لإمكان أن يقال له: من الممكن أنّك حفظته من مكان آخر، و نقلته إلينا. فإذن لا سبيل إلى القول بأنّ ما ينقل و يحفظ، أن يكون دليلا و آية على صدق المدعى و إن كان خارقا للعادة؛ بل المعجز الّذي يستدل به على صدق الرسول يجب أن يكون من قبيل ما لا ينقل: كفلق البحر و قلب العصا حية، و إحياء الميت، و إبراء الأكمة، و الأبرص، إلى غير ذلك مما لا سبيل إلى دعوى إمكان ظهوره على يد غير من ظهر على يده.
سلمنا دلالته على صدقه. و لكنّه معارض بما يدلّ على أنه غير صادق فى دعواه.
و بيانه: أنّ موسى كان نبيّا صادقا بما ظهر على يده من المعجزات: كشقّ البحر، و قلب العصا حيّة، و بياض يده إلى غير ذلك من الآيات و قد/ نقل عنه نقلا متواترا الخلف عن السلف من اليهود أنّه قال لقومه هذه الشريعة مؤبدة عليكم لازمة لكم ما دامت السماوات و الأرض. فقد كذّب كل من ادّعى نسخ شريعته، و تبديل ملّته. فلو قلنا إن محمدا كان نبيّا صادقا، و أن شرعه ناسخ لشرع موسى؛ للزم أن يكون موسى الكليم فيما قاله كاذبا؛ و هو محال.
و هذه هى شبهة العنانية [١] من اليهود.
و زادت الشمعنية [٢] منهم على ذلك بإنكار النسخ عقلا، و قالوا: لو كان محمد نبيا لجاز القول بنسخ الشرائع. و النسخ فى نفسه محال. فإنه إذا أمر بشيء فذلك يدل على حسنه و كونه مرادا و أن فيه مصلحة. فلو نهى عنه فالنهى عن الشيء يدل على قبحه،
[١]
العنانية: انظر عنهم ما مر فى هامش ل ١٤٦/ ب.
[٢]
الشمعنية: انظر عنهم ما مر فى هامش ل ١٤٦/ ب.