إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٤٣٩ - الفصل السابع
و لم نشرب، فلمّا اشتد الحرّ و الجوع و العطش و نحن إذ ذاك في أرض ملساء لا نرى بها شيئا من الظل و الماء، فجعلنا نشخص بأبصارنا نحوه، قال: و ما لكم أظنّكم جياعا و قد عطشتم؟ فقلنا: أي و اللّه يا سيدنا قد عيينا قال: عرسوا و كلوا و اشربوا، فتعجبت من قوله و نحن في صحراء ملساء لا نرى فيها شيئا نستريح إليه و لا ماء و لا ظلا، فقال: عرسوا فابتدرت إلى القطار لأنيخ، ثم التفتّ فإذا أنا بشجرتين عظيمتين يستظل تحتهما عالم من الناس، و كنت أعرف موضعهما أنه أرض براح قفر و إذا أنا بعين تسيح على وجه الأرض أعذب ماء و أبرده، فنزلنا و أكلنا و شربنا و استرحنا، و إن فينا من سلك تلك الطريق مرارا، فوقع في قلبي ذلك الوقت أعاجيب، و جعلت أحدّ النظر إليه و أتأمّله طويلا، فتبسّم و طوى وجهه عنّي فقلت في نفسي: و اللّه لأعرفنّ هذا كيف هو؟ فأتيت من وراء الشجرة و دفنت سيفي، و جعلت عليه حجرين و تغوطت في ذلك الموضع و تهيّأت للصلاة، فقال أبو الحسن ٧: استرحتم قلنا: نعم قال: فارتحلوا على اسم اللّه فارتحلنا، فلما أن سرنا ساعة رجعت على الأثر فأتيت الموضع و وجدت الأثر و السيف، كما وضعته و العلامة، فكأن اللّه لم يخلق ثم شجرة و لا ماء و لا ظلا و لا بللا، فتعجبت و رفعت يدي إلى السماء و سألت اللّه تعالى الثبات على المحبة له و الإيمان به و أخذت الأثر فلحقت القوم، فالتفت إليّ أبو الحسن ٧ فقال: يا أبا العباس فعلتها؟ قلت: نعم يا سيدي لقد كنت شاكّا فأصبحت و أنا عند نفسي من أغنى الناس بك في الدنيا و الآخرة، فقال: هو كذلك هم معدودون معلومون لا يزيد رجل و لا ينقص رجل [١].
٤٨- قال: و منها ما روى أبو سعيد سهل بن زياد قال: حدثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن إدريس الكاتب و نحن في داره بسر من رأى، فجرى ذكر أبي الحسن ٧ فقال: يا با سعيد إني أحدثك بشيء حدّثني به أبي قال: كنا عند المعتز و كان أبي كاتبه، فدخلنا الدار و إذا المتوكل على سريره قاعد، فسلّم المعتز و وقف فوقفت خلفه، و كان إذا دخل عليه رحّب به و أمره بالقعود، فأطال القيام و جعل يرفع رجلا و يضع أخرى و هو لا يأذن له بالقعود و رأيت وجهه يتغيّر ساعة بعد أخرى و يقبل على الفتح بن خاقان و يقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول! و يردّ عليّ القول و الفتح مقبل عليه يسكته و يقول: مكذوب عليه يا أمير المؤمنين و هو يتلظى و يقول: و اللّه لأقتلنّ هذا المرائي الزنديق و هذا الذي يدعي الكذب و يطعن في دولتي
[١] الخرائج و الجرائح: ج ١/ ٤١٥، ح ٢٠.