حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٧٦ - الباب الأوّل في سرد مضمون هذا الكتاب
ثمّ صالحوه على الجزية، و قالوا: ابعث معنا رجلا أمينا من أصحابك، فقال: «لأبعثنّ معكم [رجلا] أمينا حقّ أمين»، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح رضي اللّه عنه، و قال: «هذا أمين هذه الأمّة» [١].
و منهم: وفود (اليمن)، فأسلموا، فقال: «أتاكم أهل (اليمن)، هم أرقّ أفئدة، و ألين قلوبا، الإيمان يمان، و الحكمة يمانية» [٢] و بعث معهم معاذ بن جبل و أبا موسى الأشعريّ رضي اللّه عنهما.
و قدم عليه: كعب بن زهير رضي اللّه عنه، و كان النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قد أهدر دمه لشعر عرّض فيه بالنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فأسلم و اعتذر إليه ممّا كان منه، و أنشده في المسجد قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فقبل عذره و كساه بردته (صلى اللّه عليه و سلم).
و فيها- [أي: السّنة التّاسعة]-: كانت غزوة (تبوك) إلى (الشام) لقتال الرّوم، فخرج (صلى اللّه عليه و سلم) في سبعين ألفا من المسلمين، و خلّف على (المدينة) عليّا رضي اللّه عنه، فقال: أ تخلّفني في الصّبيان و النّساء؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «أ لا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» [٣]/.
فلمّا بلغ (تبوك) و هي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة، و لم يلق عدوّا، و صالح جملة من أهل تلك النّاحية على الجزية.
ثمّ رجع إلى (المدينة) و جاءه المنافقون يعتذرون إليه لتخلّفهم
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٩). عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه.
[٢] أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٢٧). عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.
و تتمّته: «و الفخر و الخيلاء في أصحاب الإبل، و السّكينة و الوقار في أهل الغنم».
[٣] أخرجه مسلم، برقم (٢٤٠٤/ ٣١). عن سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه عنه.